شبح بيغاسوس يطارد نظام الرباط
المغرب كان في السنوات الأخيرة موضوع اتهامات بالتجسس من قبل عدة دول، بسبب وجود شبهة استخدام أجهزته الأمنية لـ "بيغاسوس" وهو أخطر الأدوات الإلكترونية التي طورتها شركة "NSO Group" الإسرائيلية والتي تقف وراء إطلاق أحد أقوى برامج التجسس في العالم، يُمكنه اختراق الهواتف الذكية والتنصت على المكالمات، قراءة الرسائل النصية، والوصول إلى الصور والبيانات دون علم المستخدم.

في عصر تتسارع فيه التقنيات الرقمية وتتزايد فيه قدرات المراقبة، يبرز برنامج بيغاسوس كأداة ذات وجهين؛ فهو صُمم أساسًا لمساعدة الأجهزة الأمنية في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، إلا أنه أصبح في الوقت نفسه رمزًا للتحديات التي يفرضها استخدام تقنيات المراقبة على الخصوصية وحقوق الإنسان.
تتداخل في ملف بيغاسوس عناصر تقنية وسياسية وأمنية، مما يستدعي تحليلاً دقيقًا لدوره في المشهد الدولي وآثاره على العلاقات الدبلوماسية.
برغم أن الهدف الأصلي من بيغاسوس كان مكافحة التهديدات الأمنية من خلال استغلال ثغرات في أنظمة تشغيل الهواتف الذكية، مثل iOS وAndroid، للوصول إلى معلومات دقيقة، إلا أن التقارير المتكررة أشارت إلى استخدامه خارج نطاقه المعلن.
فقد برزت شكوك كبيرة حول إمكانية توظيفه لاستهداف صحفيين ونشطاء حقوقيين وسياسيين، مما أثار تساؤلات جوهرية، حول معايير التوازن بين ضروريات أمن الدولة واحترام مبادىء حقوق الانسان.
تُظهر هذه التناقضات أن استخدام مثل هذه التقنيات قد يشكل سلاحًا ذا حدين، في حال عدم وجود رقابة شفافة وآليات ضابطة صارمة.
أثارت تقارير إعلامية فرنسية في عام 2021 جدلاً واسعًا حول إمكانية استهداف هواتف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وبعض أعضاء حكومته باستخدام بيغاسوس. فقد نُقلت تصريحات من صحيفة “لوموند” تفيد بأن هناك نشاطًا تقنيًا يستهدف دوائر السلطة في فرنسا، مما يضع البرنامج تحت عدسة تحقيقات عن التدخل الخارجي واستخدام أدوات المراقبة الرقمية لأغراض سياسية. وفي هذا السياق، نفى المسؤولون في المغرب هذه المزاعم بشكل قاطع، معتبرينها ادعاءات لا أساس لها من الصحة ومجرد حملة لتشويه السمعة.
لم تقتصر الجدل حول بيغاسوس في فرنسا، إذ أظهرت تقارير من مصادر إسبانية أن هواتف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز وبعض وزرائه تعرضت لهجمات إلكترونية عبر بيغاسوس، وهو ما أثار ردود فعل عنيفة حيث وصف وزير الشؤون الرئاسية الإسباني هذه الهجمات بأنها “انتهاكات صارخة للقانون”، داعيًا إلى اتخاذ إجراءات فورية لضمان سلامة البنية التحتية الرقمية وحماية البيانات الشخصية.
تؤكد هذه التصريحات أن استخدام مثل هذه التقنيات ليس مجرد قضية تقنية بحتة، بل يحمل في طياته أبعاداً سياسية ودبلوماسية تؤثر على الثقة بين الدول.
كما أشارت تصريحات لجهات أمنية ألمانية إلى بيغاسوس يستخدم من قبل الشرطة الجنائية الفيدرالية (BKA)، مما أبرز جدلاً حول مدى توافق هذه الممارسات مع التشريعات الصارمة لحماية الخصوصية. ورغم أن الاستخدام كان محدودًا، فإن هذا الاعتراف، أثار مخاوف من احتمال تجاوز الحدود القانونية.
الأبعاد الدبلوماسية والعلاقات الدولية
إن تداعيات استخدام برنامج بيغاسوس تجاوزت حدود الجدل التقني لتؤثر بشكل مباشر على العلاقات الدبلوماسية. ففي أكتوبر 2024، شهدت العلاقات بين المغرب وفرنسا مرحلة حساسة بعد زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المغرب. جاءت الزيارة في وقت أشارت إليه تصاريح غربية بأنها محاولة لإعادة الثقة بين الطرفين بعد سلسلة من الفضائح المتعلقة بالتجسس الإلكتروني.
كما أن الملف نفسه فتح الباب أمام تساؤلات حول تأثيره على العلاقات الإقليمية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. إذ تُشير شائعات متكررة إلى احتمال تورط محتمل في عمليات تجسس على مسؤولين مصريين ساميين، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة فتح ملفات مرتبطة بنزاعات دبلوماسية قديمة، خاصةً في ظل العلاقات المعقدة بين الرباط والقاهرة.
الحقوق والحريات في مواجهة تقنيات المراقبة
من ناحية أخرى، سلطت منظمة العفو الدولية الضوء على استهداف نشطاء حقوق الإنسان، حيث كشفت تقارير عن تعرض الحقوقية الصحراوية أميناتو حيدر لهجمات إلكترونية عبر بيغاسوس في خريف 2021. توصف هذه العملية بأنها محاولة لإسكات الأصوات الناقدة والحد من حرية التعبير.
وتبقى قضية برنامج بيغاسوس تشكل نموذجًا واضحًا للتحديات المعاصرة التي تواجهها الدول في ظل تزايد الاستخدامات الرقمية للمراقبة. من ناحية، توفر هذه التقنيات أدوات فعالة لمواجهة التهديدات الأمنية؛ ومن ناحية أخرى، تُعرض حقوق الإنسان وحريات الأفراد للانتهاك في حال إساءة استخدامها دون رقابة صارمة، وقد تسبب في أزمات دبلوماسية عميقة وإن لا تزال نيرانها لم تبرز بعد، فإن ستكون حتما مصدرا لمصاعب وتحديات مختلفة أخطرها تلك المرتبطة بالأمن.
الرئيس تبون ومعادلة الفساد والتقصير









