الرئيس تبون ومعادلة الفساد والتقصير

بالصيغة الورقية
الحدثرأي

الجزائر… النفاذ من دائرة النفوذ

في عهد لويس السادس عشر، واجهت فرنسا أزمة اقتصادية واجتماعية، أدت إلى اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789، أُجبر الملك على إثرها على القبول باعتماد دستور للبلاد، حُدّ بموجبه من سلطاته، ليُعزل فيما بعد ويُعلن عن ميلاد  الجمهورية الأولى وهذا عام 1792.

لويس السادس عشر، آخر ملوك فرنسا قبل الثورة، أُعدم في 21 يناير 1793، لتُعدم معه الملكية كمنظومة حكم، وتدخل فرنسا عهد الجمهوريات: الأولى، الثانية، الثالثة، الرابعة، وصولًا إلى الخامسة.

بعد قيادته للمقاومة ضد الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية وتحرير فرنسا، تولى شارل ديغول رئاسة الحكومة المؤقتة عام 1944. غير أنه انسحب من الحياة السياسية عام 1946 بسبب خلافه مع النظام البرلماني، الذي أدّى إلى انسداد سياسي مزمن. عاد ديغول إلى السلطة عام 1958 في خضم أزمة حرب الجزائر، وأسس الجمهورية الخامسة التي لا تزال فرنسا تدار بموجب دستورها ومبادئها إلى اليوم، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.

غير أن ملامح اهتزاز هذه الجمهورية بدأت تبرز، وسط تراجع النفوذ الفرنسي في إفريقيا، وتوتر العلاقات مع الجزائر، الحليف التاريخي الصعب، فضلًا عن تشرذم الاتحاد الأوروبي على وقع الصدام العنيف مع روسيا في أوكرانيا. الأخطر من ذلك هو التحوّل التدريجي لواشنطن من حليف إلى خصم استراتيجي في ملفات عدة.

في هذا السياق، تظهر الجزائر كفاعل إقليمي يتابع بدقة التفاعلات الجارية في “المختبر السياسي” لباريس. تدرك الجزائر أن ميلاد “الجمهورية السادسة” في فرنسا قد لا يتم إلا بمساهمة مباشرة منها، بحكم موقعها الجغرافي والتاريخي وعلاقتها المعقدة مع باريس.

وعليه، يطرح السؤال نفسه: هل سينجح الرئيس ماكرون في توظيف معطيات الواقع الدولي المعقد لكبح اندفاعة التاريخ نحو ولادة الجمهورية السادسة؟ وهل يستطيع الضغط على الجزائر لدفعها نحو مراجعة الاتفاقيات الثنائية وترميمها، كما فعل مع الرباط عقب الاعتراف بمغربية الصحراء، قبل أن تفقد هذه الاتفاقيات قيمتها مع سقوط الجمهورية الخامسة وتفكك المنظومة الأوروبية؟

في النهاية، قد لا تكون معركة ماكرون اليوم داخل فرنسا فحسب، بل أيضًا في كيفية إدارة علاقاته مع الفاعلين الخارجيين، وعلى رأسهم الجزائر، التي قد تتحول من شريك إلى صانع مرحلة جديدة في تاريخ الجمهورية الفرنسية.

زر الذهاب إلى الأعلى