
شهدت الحكومة الفرنسية مؤخراً خلافات داخلية على خلفية الأزمة المتصاعدة مع الجزائر، حيث برز هذا التوتر بعد التصريحات الأولى لوزير الداخلية الفرنسي، برونو روتايو، الذي اتهم الجزائر بمحاولة ما أسماه “إذلال فرنسا” بسبب رفضها استقبال بعض رعاياها المقيمين بطريقة غير شرعية على الأراضي الفرنسية.
أمام موقف وزير الداخلية الذي يحاول قيادة الحكومة الفرنسية نحو التشدد أكثر مع الجزائر، رفض وزير الخارجية الفرنسي، جون نويل بارو، تدخل زميله في شؤون السياسة الخارجية، مؤكداً أن هذه الصلاحيات تندرج ضمن مهام وزارة الخارجية فقط، ليؤكد على ضرورة الحفاظ على علاقات جيدة مع الجزائر، معتبراً أن دوره كوزير للخارجية هو حل المشاكل الديبلوماسية وليس تصعيدها.
في ظل هذا التداخل في الصلاحيات بين وزيري الداخلية وكذا الخارجية، أبدى وزير الدفاع الفرنسي، سيباستيان ليكورنو، هو الآخر أسفه لوصول العلاقات الفرنسية الجزائرية إلى هذه المرحلة، مشددًا على ضرورة تجاوز هذا الوضع لأجل استئناف التعاون والتنسيق خاصة في مجال مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل.
بالاضافة إلى وزير الدفاع الفرنسي الذي ألح على ضرورة تجاوز الأزمة مع الجزائر، فإن نيكولا ليرنر الذي عين في ديسمبر من عام 2023 خلفا لبرنار إيمييه، قائدا جديدا لجهاز الاستخبارات الخارجية المعروف بالمديرية العامة للامن الخارجي “DGSE”، يدرك أن هذا التوتر الدبلوماسي قد ينعكس سلبًا على التعاون الأمني والاستخباراتي، خاصة في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، ولهذا أشارت مصادر إعلامية فرنسية إلى أن الرجل حرص على التنقل شخصيا إلى الجزائر العاصمة للتباحث مع نظيره الجزائري موساوي رشدي فتحي، المدير العام للوثائق والأمن الخارجي، الذي خلف اللواء جبار مهنى في المنصب في أواخر سبتمبر من العام الماضي، محاولة منه جعل التنسيق بين الجهازين، في مأمن من تداعيات هذه الأزمة السياسية والديباوماسية، والذي يبدوا أن المسؤول الاول على الأمن الخارجي لفرنسا لا يرغب في أن تتحول الازمة إلى أمنية قد يكون هو أولى ضحاياها.
على عكس التهديد بالاخفاق في المهام المنوطة بهما كوزير للدفاع ومسؤول على الأمن الخارجي، بسبب الأزمة مع الجزائر، فإن وزيرًا الداخلية الذي تم تعيينه فقط في سبتمبر 2024، يحقق مكاسب سياسية كبيرة، حيث زادت بشكل لافت الأزمة مع الجزائر من شعبيته في الأوساط السياسية اليمينية خاصة منذ أن دعى في يناير 2025 إلى إنهاء العمل باتفاقية 1968 الموقعة بين فرنسا والجزائر، والتي تمنح الجزائريين بعض المزايا الخاصة فيما يتعلق بالإقامة في فرنسا، معتبرًا أن هذه الاتفاقية لم تعد مناسبة للواقع الحالي.
وعلى الرغم من الجدل المحيط به، تشير الكثير من المصادر إلى أن مواقف روتايو المتشددة زادت فعلا من حظوظه في الفوز في الانتخابات الرئاسية القادمة.
يبدوا أن روتايو الذي يحقق مكاسب سياسية كبيرة على المستوى الشخصي، ستمهد له حتما طريقة المنافسة على كرسي الايليزيه، يتسبب في وضع، ليس، عدد من زملاءه في الطاقم الحكومي فقط في وضعية صعبة، وإنما حتى الرئيس الفرنسي ماكرون، الذي قد يفشل في توظيف الاختلاف في مواقف طاقمه الحكومي لدفع الجزائر إلى التنازل دون التسبب في القطيعة التي أشارالرئيس تبون في حواره الاخير مع جريدة “ليكسبيرسيون” إلى إحتمال حدوثها.
فبين الضغط لأجل دفع الجزائر إلى المراجعة دون الوقوع في القطيعة، فإن الانقسام داخل جسم الحكومة يمتد إلى خارج الفضاء الفرنسي حيث تواجه الرئيس الفرنسي مصاعب كبيرة في إقناع شركاءه بضرورة تفعيل التضامن الاوروبي واتخاذ موقف موّحد اتجاه الجزائر، التي نجحت في الوصول مع إيطاليا إلى التوقيع على اتفاقيات استراتيجية، مقابل منحها أفضلية التوزيع الحصري للطاقة وأيضا عودة العلاقات مع إسبانيا وغيرها من جسور التعاون التي يبدوا أن حكومات الرئيس تبون قد نجحت في مدها مع دول أوروبية عديدة كانت عاجزة في وقت سابق عن بناء علاقات مباشرة مع الجزائر دون المرور عبر الرواق الفرنسي.
ولهذا فإن الرئيس ماكرون ومثلما يواجه اليوم خلافا داخليا في أروقة الحكومة والبرلمان بغرفتيه وفي الاوساط الحزبية المعارضة لسياسة الضغط، فإنه قد يفشل في توحيد أسرة الاتحاد الاوروبي على مجرد التهديد بفرض عقوبات جماعية على الجزائر.
بين هذا وذاك، فإن التوتر في العلاقات مع باريس يشكل مكسبا كبيرا للجزائر التي تمرر من خلاله، رسائل واضحة خاصة للشريك الامريكي، مفادها أنها وصلت فعلا لدرجة النضج تستحق فيها حق النفاذ من دائرة النفوذ الفرنسي، لتلعب أدوار أخرى في نظام دولي جديد بدأت الملامح الأولى تتشكل له، وفي حال استمرار الاشتباك العلني مع الجزائر، فإن فرنسا التي تحاول إخفاء انقسامها الداخلي، قد تواجه انقساما آخر سيؤثر حتما على امتداديها الأوروبي والإفريقي معا وهما العمودين الذين تستند إليهما الجمهورية الخامسة.









