الرئيس تبون ومعادلة الفساد والتقصير

بالصيغة الورقية
الحدث

هل دخلت الجزائر وفرنسا معركة إسقاط الاتفاقيات

نشرت جريدة La Tribune Dimanche مقالا صنفته كسبق صحفي، لملف من ثلاث صفحات صادر عن مصالح وزارة الداخلية، يتضمن مجموعة من التدابير والإجراءات الخاصة بتسيير ما أصبح يعرف بالأزمة السياسية مع الجزائر.

الوثيقة التي يبدوا أنه قد تم إشراك وزارتي المالية والخارجية إلى جانب الداخلية في اعدادها، قد وضعت فعلا قائمة بأسماء أشخاص غير مرغوب في تواجدهم على الأراضي الفرنسية، وهذا بالإضافة إلى منع منح التأشيرة لشخصيات وصفتها بأنها من النخبة, وهو ما تم اعتماده من خلال طرد حرم سفير الجزائر في مالي من فرنسا في حادثة لاقت ردودا غاضبة من الجزائر.
الوثيقة المسربة تتحدث أيضا عن فرضية تعليق التصاريح الممنوحة لشركات نقل المسافرين الجزائرية بحرا وجوا، وهو ما يفترض منع طائرات الخطوط الجوية الجزائرية من النزول على مدرجات المطارات الفرنسية.

وهنا يجدر التذكير إلى أنه في شهر أكتوبر من عام 2021، قررت الجزائر منع الطائرات العسكرية الفرنسية من عبور أجوائها، مما أثّر سلبا بشكل كبير، على العمليات الفرنسية في الساحل الأفريقي ككل, حيث كانت الطائرات العسكرية الفرنسية تعتمد على الأجواء الجزائرية للوصول إلى المنطقة، أين تشارك في عمليات عسكرية ضد الجماعات المتطرفة وعلى رأسها القاعدة.

ويتساءل مراقبون أنه في ضل تبني الجزائر سياسة الرد بالمثل , فإن اعتماد فرنسا قرارا ضد الخطوط الجوية الجزائرية قد يترتب عنه حتما قرار مماثل.

من بين التدابير التي أدرجت في وثيقة وزير الداخلية هي استدعاء القناصلة العاميين الجزائريين لتذكيرهم حسب الصحيفة، بضرورة الإلتزام بالاتفاقيات الموقعة المرتبطة بطرد المهاجرين غير النظاميين.

للإشارة فإن استدعاء القناصلة المعتمدين من طرف خارجية البلد المستضيف، تتم عادة لأجل الاحتجاج الدبلوماسي إذا ما بدر من  القنصل تصرفات تُعتبر مخالفة للقوانين المحلية أو الأعراف الدبلوماسية، عندها يمكن استدعاءه لإبلاغه باعتراض رسمي.

كما يمكن الاستدعاء في حال وقوع أزمة دبلوماسية لمناقشة قضية ما أو لأجل طلب توضيحات.

في بعض الحالات، يتم استدعاء القناصلة لمناقشة قضايا تتعلق برعايا بلدهم، أو لتنسيق التعاون معهم في مجالات معينة مثل الهجرة أو التجارة أو الأمن.

لكن من الناحية القانونية، الحصانة الدبلوماسية التي يتمتع بها القناصلة تختلف عن السفراء، حيث يخضعون أكثر للقوانين المحلية مقارنة بالدبلوماسيين في السفارات,  كما أن استدعاء القنصل بدلا عن السفير يؤكد تمسك باريس بعدم الإنسياق وراء الدعوات إلى القطيعة التي قد تصل مثلا إلى حد الطرد أو تقليص أفراد البعثة القنصلية.

في ديسمبر 2024، تصاعدت التوترات بين الجزائر وفرنسا بعد أن اتهمت السلطات الجزائرية باريس بالتورط في أنشطة تجسسية تستهدف أمنها الوطني, استدعت الجزائر على إثرها السفير الفرنسي، ستيفان روماتيه، للتعبير عن استيائها من ما وصفته الجزائر على أنه  “ممارسات عدائية للأجهزة الأمنية الفرنسية”، حيث بثت وسائل الإعلام الجزائرية تقارير، عبرت فرنسا وقتها  عن أسفها لها، لما تضمنته من قرائن، مؤكدة أنه “لا أساس لها من الصحة”.

الوثيقة حسب الصحيفة أشارت أيضا إلى اقتراح يتضمن ضرورة الاستعداد لفتح نزاع في التحكيم الدولي بسبب  “إخلال الجزائر وعدم احترامها للاتفاقيات التي وقعتها مع فرنسا” بخصوص تنقل الأشخاص بين البلدين, حيث قالت الوثيقة  “أنه في عام 2024، أصدرنا 245000 تأشيرة إقامة قصيرة وطويلة، بالمقابل أصدرنا 25000 أمر بالمغادرة لم ينفذ منها سوى 2999 عملية ترحيل فقط،” لتؤكد حسب احصائيات وزارة الداخلية, “أن ما يقرب من 40٪ من الأفراد الموقوفين في مراكز الاحتجاز الإداري لدينا (CRA) هم جزائريي الجنسية، متقدمين بفارق كبير عن الجنسيات الأخرى”.

وحسب الجريدة دائما فإن تسعة من كل عشرة منهم مصنفون على أنهم إما إسلاميون متطرفون، أو أطلق سراحهم من السجن ويمثلون خطرا على النظام العام.

الجزائر من جهتها تتمسك بضرورة احترام  منح مواطنيها الحق بالطعن في قرار الطرد أمام محكمة أو هيئة مختصة وعدم توظيف تدابير الحالات القصوى لأجل مجرد تسريع تدابير المغادرة التي تتطلب في الكثير من الحالات أمرًا قضائيًا وليس إداريًا فقط.
كما سجلت الجزائر أن عددا من قرارات الطرد لم يحترم قبل تنفيذها التصاريح اللازم الحصول عليها من قنصليات الجزائر وهو ما لم يتيح  لمصالحها المختصة متابعة الوضع القانوني للمعنيين, بينما يؤكد الطرف الآخر أن اللجوء إلى الطرد دون المرور عبر القنصليات, كان نتيجة امتناع هذه الاخيرة عن اصدار التصاريح اللازمة.

في الصفحة الأخيرة، من الوثيقة المسربة للاعلام الفرنسي, تم تناول إحتمال مراجعة اتفاقيات 1968، وكذلك اتفاقية 1980، التي تسمح للجزائريين بالاستفادة من الرعاية التي يمولها الضمان الاجتماعي في فرنسا, بينما تشير مصادر اعلامية أن الجزائر قد قررت رسميًا وقف إرسال مرضاها للعلاج في المستشفيات الفرنسية أصلا, في قرار جاء نتيجة لإثارة أخبار مغلوطة ترتبط بفواتير العلاج غير المسددة، وهو ما دفع الجزائر إلى توجيه مرضاها نحو دول أخرى مثل إيطاليا وبلجيكا وتركيا للعلاج بدلا عن فرنسا.

وعموما فإن الاتفاقيات الدولية المبرمة بين الدولتين تخضع لقواعد القانون الدولي, وفقًا لاتفاقية فيينا ولقانون المعاهدات الصادرة سنة 1969, والتي تؤكد أنه يمكن تعديل أو إنهاء الاتفاقيات الدولية وفقًا لعدة آليات وشروط، منها التوافق المتبادل خاصة عند توفر آليات داخلية تسمح بالتعديل دون الحاجة إلى إعادة التفاوض بالكامل.
كما أن الطرفين بامكانهما إنهاؤها رسميًا باتفاق جديد أو إعلان مشترك, أو الانسحاب الأحادي مثلما بادر إليه ترامب بعد توقيعه على الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ.

وبالنظر إلى حجم التبادل التجاري بين البلدين، الذي يميل ميزانه التجاري لصالح فرنسا، وكذا مضمون الاتفاقيات التي تدحرجت إليها الجزائر, خاصة خلال فترة تمديد عهدات الرئيس الراحل بوتفليقة, وما كانت تتطلبه من تنازلات مقابل الحصول على دعم دولي لأجل الاستمرار في الحكم لأربع عهدات, فإن الدخول في معركة اسقاط اتفاقية سنة 1968 وما قد يترتب عنه من إسقاط لعدد آخر منها, قد تكون باريس الخاسر الاكبر فيها, خاصة وأن التعاون بين البلدين مرتبط أيضا بمجال الطاقة التي, وإن نجحت فرنسا في التحرر قليلا من تبعيتها لغاز الأنابيب الجزائري, فإنها ستقع حتما فرسية لإملاءات ترامب بسبب لجوءها للغاز المميع الأمريكي.

 

زر الذهاب إلى الأعلى