ماذا يخسر ماكرون في الجزائر؟
اتضح الآن أن للأزمة في العلاقة الفرنسية الجزائرية شراراتها الأولى التي كانت وراء اندلاعها، من جهة توقيف الكاتب صنصال مباشرة بعد وصوله مطار هواري بومدين وكذا رفض الجزائر استقبال رعاياها المرحلين، ومن جهة أخرى تراجع باريس عن موقفها المحايد في قضية الصحراء الغربية واصطفافها خلف الرباط فيما يسمى مشروع مغربية الصحراء.

لكن الملاحظ يتابع بوضوح، كيف أن رقعة الخلاف تتوسع شيئا فشيئا، لتشمل جوانب أخرى كانت مثالا لتعاون هادئ وناجح ومثمر لفرنسا مع أحد أهم شركاءها في المنطقة.
تقييم باريس لواقع علاقاتها الثنائية مع الجزائر، يعد إقرارا منها بتراجع نفوذها السياسي والدبلوماسي والاقتصادي، فحسب الكثير من الخبراء، باريس اليوم لم تعد الشريك المفضل، حيث تتجه الجزائر أكثر من أي وقت مضى، نحو قوى أخرى منافسة، مثل الصين، روسيا وتركيا، فالشركات الفرنسية التي تخسر عقودًا كبيرة، يؤكد مسيّروها أن تراجع استثماراتها كان نتيجة أيضا لسياسات الجزائر الاقتصادية التقشفية، الداعمة للاكتفاء الذاتي وترشيد الاستيراد.
كما أنه ولأول مرة منذ اندلاع الازمة مع الجزائر، تحدث وزير الداخلية الفرنسي أن تصنيف الجزائر لعدد من الشركات الفرنسية في القائمة السوداء، قد حرمها من المشاركة في عدد من الصفقات العمومية.
ففي أكتوبر 2024، قامت الجزائر باستبعاد الشركات الفرنسية من مناقصة لاستيراد القمح، حيث طالبت المتعاملين، بعدم تقديم عروض تتضمن القمح الفرنسي، استبعاد وإن نفت الجزائر رسميا تبنيه، إلا أنه زاد من سخط المزارعين في فرنسا الذين تصاعدت بشكل خطير حركاتهم الاحتجاجية في الأشهر الأخيرة، بسبب ما تصفه النقابات، بالسياسات الفلاحية الفاشلة للحكومة التي تتهرب من مواجهة معضلات ارتفاع تكاليف الإنتاج، غياب الارادة في حماية المنتوج المحلي من المنافسة الأجنبية وكل هذا بسبب المعاملة التفضيلية في دخول المنتجات الزراعية المغربية التي غزت الاسواق الفرنسية.
وجاءت الخطوة الجزائرية في الاستغناء عن القمح الفرنسي، لتزيد من الغضب ضد السياسات الحكومية، خاصة وأن قيمة هذا التراجع، وفقًا للبيانات الرسمية الفرنسية، تقدر ب 668 مليون يورو أي انخفاض بنسبة 80% من صادرات القمح الفرنسي إلى الجزائر.
ويبقى عدم اتساع الازمة إلى قطاع الطاقة، من بين أهم عوامل بقاء الأمل في تجاوز الخلاف وعودة العلاقات إلى طبيعتها، خاصة وأن الأرقام تشير إلى أن الصادرات الجزائرية من الغاز الطبيعي عرفت زيادة في النصف الأول من عام 2023، لتشكِّل 49.9% من إجمالي واردات فرنسا من الغاز.
ليست المصالح الاقتصادية لفرنسا وحدها المتأخرة في الجزائر، بل أن الضرر يمتد، على ما يبدوا، ليطال المكتسبات الثقافية، فاللغة الفرنسية في الجزائر تراجعت بشكل محسوس لتحل محلها اللغة الإنجليزية، وهو ما أشار إليه كذلك وزير الداخلية الذي حذر أيضا من تنامي الشعور المعادي لفرنسا بشكل مقلق في الجزائر.
الرئيس الفرنسي في آخر خرجة له، كانت على جريدة لوفيغارو، أكد أنه لن يذهب إلى درجة إلغاء اتفاقيات سنة 1968 الموقعة مع الجزائر، مثلما دعى إليه وزيره للداخلية وجاراه في ذلك الوزير الأول، بل أنه مع فكرة إعادة التفاوض بشأنها مذكرا أنه هو صاحب القرار الأول والأخير.
الرئيس تبون ومعادلة الفساد والتقصير









