هل تلوّح الجزائر بقرار منع استعمال اللغة الفرنسية؟

اليوم الثلاثاء من ولاية بومرداس شرق الجزائر العاصمة، الرئيس تبون وأثناء تدشينه مصنعا جديدا آخر لتحلية مياه البحر قال، أنه قد “تم انجازه في ظرف قياسي، ومكن من التأسيس لمدرسة جزائرية في إنجاز المشاريع الكبرى”.
الملفت للانتباه، أنه أثناء مراسيم قص الشريط، اعلانا على التدشين، تقدمت طفلة ترتدي اللباس التقليدي الجزائري وخاطبت الرئيس تبون باللغة الإنجليزية في رسالة يبدوا أن لها دلالات كبيرة خاصة مع تزايد وتعمق الازمة مع فرنسا.
المتابعون لنشاطات الرئيس تبون يدركون أنه استعمل في أكثر من مناسبة هذا الأسلوب للتعبير عن موقف رسمي أو التمهيد له.
تنظيم بروتوكول تدشين محطة مصنع كاب جنات 2 بهذا الأسلوب جاء بعد تداول معلومات حول وضع باريس عدد من الشخصيات الجزائرية في الدولة في قائمة الممنوعين من دخول التراب الفرنسي، وهو ما يطرح الكثير من التساؤلات حول ما تخفيه الجزائر في جعبتها، تجسيدا لتبنيها لمبدأ الرد بالمثل؟
في الأسابيع الأخيرة، فرضت فرنسا قيودًا على دخول بعض الشخصيات الجزائرية إلى أراضيها، بما في ذلك حاملي جوازات السفر الدبلوماسية، في خطوة جاءت كرد فعل على ما وصفته باريس بعدم تعاون الجزائر في قبول ترحيل المهاجرين الجزائريين المقيمين بصفة غير قانونية على التراب الفرنسي.
هذا الإجراء أدى إلى منع دخول عدة شخصيات جزائرية إلى فرنسا، من بينهم زوجة السفير الجزائري في مالي، مما أثار انتقادات ساخطة اعتُبره، أطراف من المعارضة الفرنسية، تصرفًا استفزازيًا سيهدد المصالح العليا.
للاشارة فقد أعرب وزير الداخلية الفرنسي، برونو ريتايو، عن قلقه من تراجع استخدام اللغة الفرنسية في الجزائر، معتبرًا ذلك مؤشرًا على تراجع النفوذ الثقافي الفرنسي في البلاد.
منذ استقلالها، اعتمدت الجزائر اللغة العربية كلغة رسمية، مع استمرار استخدام الفرنسية في الكثير من المجالات. ومع ذلك، تشير تقارير غير رسمية إلى أن الجزائر تعتزم إلغاء استعمال اللغة الفرنسية في جميع دوائرها الرسمية مع نهاية العام القادم، مما يعكس توجهًا نحو تعزيز الهوية الوطنية وتقليل التأثير الفرنسي.
هذه الخطوات أثارت ردود فعل متباينة في فرنسا، حيث انتقد سياسيون فرنسيون، مثل جان لوك ميلونشون، تصريحات بعض المسؤولين الفرنسيين تجاه الجزائر، محذرين من تداعياتها على مستقبل العلاقات بين البلدين.
تُظهر هذه التطورات تعقيدات العلاقة بين الجزائر وفرنسا، حيث تلعب اللغة دورًا محوريًا في تحديد مسار هذه العلاقة، سواء على الصعيد الثقافي أو السياسي.
في السنوات الأخيرة، اتخذت الجزائر خطوات ملموسة لتقليل استخدام اللغة الفرنسية في المؤسسات الرسمية والتعليمية، تعزيزًا للغة العربية وتأكيدًا على هويتها الوطنية. أحدث هذه المبادرات تمثلت في تقديم نواب بالبرلمان الجزائري، في يناير 2025، مشروع قانون يقضي بإلغاء إصدار النسخة الفرنسية من الجريدة الرسمية، وحصر نشر النصوص التشريعية والتنظيمية باللغة العربية فقط.
هذا التوجه ليس جديدًا؛ ففي أكتوبر 2021، أصدر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تعليمات بإلغاء استخدام اللغة الفرنسية في المراسلات والوثائق الرسمية داخل الإدارات والقطاعات الحكومية، واستبدالها باللغة العربية.
كما شهد القطاع التعليمي تحولات مشابهة؛ حيث تم استبدال اللغة الفرنسية باللغة الإنجليزية في التدريس بالمدرسة العليا للذكاء الصناعي والمدرسة العليا للرياضيات، التابعتين لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مع بداية الموسم الدراسي 2021-2022.
اللغة الفرنسية كانت ولا تزال أداة رئيسية لتثبيت النفوذ الفرنسي في العديد من الدول، خاصة في مستعمراتها القديمة، حيث تُستخدم كوسيلة تأثير ثقافي، اقتصادي، ودبلوماسي.
في الجزائر، التي تعد واحدة من أكبر الدول الفرانكوفونية، استمر هذا النفوذ لعقود بعد الاستقلال، لكن الجزائر اتخذت مؤخراً خطوات جريئة للحد من هذا التأثير، وقد يدفع تدهور العلاقات مع فرنسا، لتبني مواقف أكبر، ردا على القرارات التي تستعد حكومة الرئيس ماكرون الإعلان عنها ومن بينها إلغاء اتفاقية 1968، ما سيترتب عنه من إسقاط لعدد آخر من الاتفاقيات في مجالات مختلفة. فهل لوحت الجزائر اليوم فعلا بقرار منع استخدام اللغة الفرنسية؟









