الحدث

ماذا خسرت فرنسا في الجزائر منذ وصول الرئيس تبون للحكم

شهدت العلاقات الجزائرية-الفرنسية مؤخرًا اضطرابًا دبلوماسيًا كبيرًا، مما أثر بشكل مباشر على النشاط الاقتصادي للشركات الفرنسية العاملة في الجزائر. أدى هذا الاضطراب إلى خسائر اقتصادية كبيرة للجانب الفرنسي، تُقدَّر عبر تقارير إعلامية مختلفة بحوالي 18 مليار دولار على مدى الأعوام الأربعة الماضية.

بالرغم من تراجع نفوذها الاقتصادي في الجزائر، لا تزال فرنسا مهمة في بعض القطاعات مثل الطاقة والبنية التحتية. ومع ذلك، ازدادت المنافسة من قبل مجمعات عالمية أخرى، وهو ما قلل من تأثير فرنسا في السوق الجزائرية خاصة بعد تسجيل إنسحاب عدد شركاتها الضخمة.

شركة “راتيبي باريس” (RATP Dev): في شهر أكتوبر 2020، قررت شركة “راتيبي باريس” مغادرة الجزائر بعد نهاية عقدها مع الحكومة الجزائرية الخاص بتسيير وصيانة مترو الجزائر. وقّع العقد في عام 2011، وشمل تشغيل الخط الأول لمترو الجزائر العاصمة، الذي يمتد على 12 كيلومترًا ويخدم أكثر من 200,000 راكب يوميًا. في عام 2021، وبعد انتهاء العقد، قررت السلطات الجزائرية إدارة وتشغيل المترو بالكامل عبر الكفاءات المحلية، وهو ما يعكس سعي الجزائر لتعزيز قدراتها في مجال النقل الحضري وتقليل الاعتماد على الشركات الأجنبية.

شركة “سويز” (SUEZ): بعد مسيرة عمل طويلة في الجزائر، قررت شركة سويز الفرنسية، الرائدة في مجال إدارة المياه والصرف الصحي، إنهاء عملها في الجزائر خلال عام 2021. كانت الشركة تشرف على إدارة مياه العاصمة الجزائر بالشراكة مع الشركة الجزائرية للمياه والصرف الصحي (SEAAL) منذ عام 2005. بعد 16 عامًا من التعاون، قررت السلطات الجزائرية عدم تجديد عقد الشراكة مع سويز، مؤكدة أن الجزائر باتت تملك الكفاءات المحلية الكافية لإدارة قطاع المياه بصورة مستقلة.

شركة “رينو” (Renault): في عام 2020، أعلنت شركة رينو الفرنسية عن توقف إنتاج السيارات في الجزائر، بعد أن كانت قد أسست مصنعًا كبيرًا في منطقة وهران. على الرغم من محاولات التوسع في السوق الجزائرية، فإن الشركة لم تتمكن من استعادة قوتها في مواجهة الأزمات الاقتصادية المحلية. في المقابل، اتجهت الجزائر إلى شراكات مع شركات أخرى مثل فيات الإيطالية وهيونداي الكورية الجنوبية، في خطوة تهدف إلى تقليل الاعتماد على الشركات الفرنسية في هذا القطاع.

شركة “دانون” (Danone): أعلنت شركة دانون، إحدى أبرز الشركات العالمية في قطاع الأغذية والمشروبات، عن إغلاق مصنعها في الجزائر عام 2020، وهو أحد أكبر مصانعها في منطقة وادي سوف. جاء هذا القرار نتيجة لصعوبات اقتصادية متنوعة، أبرزها تقليص الاستثمارات بسبب السياسات الاقتصادية الجديدة في الجزائر، ومنها القيود على الاستيراد والتحديات المرتبطة بانخفاض قيمة العملة المحلية. ومع ذلك، ما زالت دانون متواجدة في السوق الجزائري عبر التعاون مع شركات أخرى محلية.

فعلى الرغم من إغلاق شركة دانون (Danone) لمصنعها وتقليص نشاطها المباشر في الجزائر إلا أنها تحافظ على شراكات مع شركات محلية لتوزيع منتجاتها في السوق الجزائري, من أبرزها شركة “سوناطراك” التي تعمل دانون معها على توزيع منتجاتها في مختلف مناطق الجزائر.

شركة “توتال” (Total): شركة توتال الفرنسية، وهي من أكبر شركات الطاقة عالميًا، شهدت أيضًا تقليصًا في نشاطها في الجزائر,  فعلى الرغم من دخول الشركة للسوق الجزائرية منذ السبعينيات، ومساهمتها في الكثير من مشاريع النفط والغاز الضخمة، قررت توتال خلال السنوات الأخيرة تقليص بعض أنشطتها نظرًا لتراجع أسعار النفط والغاز، إضافة إلى التغيرات في السياسات التشريعية المحلية.

في عام 2020، انسحبت الشركة جزئيًا من بعض المشاريع النفطية الكبرى، مثل حقل حاسي مسعود، بينما استمرت في تطوير مشاريع الطاقة المتجددة مثل مشاريع الطاقة الشمسية.

المشكلات الاقتصادية والسياسية وراء انسحاب الشركات:

على الرغم من الاستثمارات الكبيرة التي قامت بها الشركات الفرنسية في الجزائر، فإن عدة عوامل أدت إلى تراجع نشاطها في البلاد، من أبرزها بحث الجزائر عن الاستقلالية الاقتصادية وسعيها لتعزيز قدراتها المحلية، وهو ما يفسر ميل السلطات الجزائرية إلى تحفيز القطاع المحلي وتوسيع دوره في الكثير من المشاريع الكبرى.

تراجع النفوذ الاقتصادي الفرنسي منذ وصول الرئيس تبون:

يمكن القول إن هناك انحسارًا في النفوذ الاقتصادي لفرنسا في الجزائر منذ تولي الرئيس عبد المجيد تبون الحكم في شهر ديسمبر 2019. هذا الانحسار ليس نتيجة لحادث واحد أو قرار منفرد، بل هو جزء من تحول أوسع في السياسة الاقتصادية والدبلوماسية الجزائرية، اللتين شهدتا تغييرات كبيرة منذ تولي تبون منصبه.

فمنذ عام 2019 أبدت الجزائر اهتمامًا متزايدًا بتعزيز استثماراتها المحلية، وتعميق العلاقات الاقتصادية مع دول أخرى مثل الصين وروسيا، في مجالات مثل البناء والطاقة والبنية التحتية. هذا التوجه جعلها أقل اعتمادًا على الشركات الفرنسية، التي كانت تتمتع بنفوذ كبير في القطاعات الصناعية والطاقة.

استراتيجية التنويع الاقتصادي

بدأت الجزائر في محاولة لتقليل اعتمادها على الاقتصاد النفطي والغازي، مما دفعها إلى السعي لجذب استثمارات جديدة من خارج فرنسا. وُجِّه الاهتمام للاستثمار في الصناعات التحويلية والتكنولوجيا والطاقة المتجددة، وهو ما فتح الباب أمام شراكات مع شركات من دول أخرى مثل الصين وكوريا الجنوبية.

كما سعت الحكومة أيضا إلى تقوية الانتاج المحلي وتعزيز الصناعات الوطنية، عبر تشجيع الشركات المحلية على التوسع والابتكار، وبالتالي تقليل الاعتماد على الشركات الأجنبية، خصوصًا الفرنسية.

التوتر الحاصل بين الجزائر وفرنسا اليوم, قد يكون نتيجة تراكم سياسات ومواقف تراها باريس على أنها تثير الشعور المعادي لفرنسا كما ذكره وزير الداخلية الفرنسي, وأن الرئيس ماكرون سيحاول حتما من خلال تسيير أزمته مع الجزائر, تحويل مسار المصالح الفرنسية الى  التصاعد بعد سنوات طويلة من التراجع وهذا من خلال ترميم اتفاقيات يبدو أن عمرها الإفتراضي قد انتهى.

 

زر الذهاب إلى الأعلى