الحدث

باتجاه عفو رئاسي عن صنصال…

أثارت قضية الكاتب بوعلام صنصال، والتي انتهت بحكم بالسجن لخمس سنوات نافذة، موجة من الاستنكار الدولي، حيث تم تداولها بشكل واسع من قبل وسائل الإعلام الدولية.

ما بدأ كقضية قانونية تحول إلى معركة سياسية ودبلوماسية شارك فيها العديد من الأطراف، سواء في الجزائر أو على الساحة الدولية.

السؤال الذي يطرحه الكثيرون الآن هو: هل يمكن أن يستجيب  الرئيس عبد المجيد تبون لنداء الرئيس ماكرون الإنساني ويصدر عفوًا عن صنصال؟

موقف السلطات الجزائرية: قانون أم سياسة؟

من الناحية الرسمية، اتخذت السلطات الجزائرية موقفًا قانونيًا في قضية صنصال، معتبرة أن حكم السجن الصادر ضده جاء نتيجة لاتهامات تتعلق بـ”المساس بوحدة الوطن” و”إهانة هيئة نظامية”.

هذه الحجج القانونية وإن كانت سليمة ومؤسسة، إلا أنها تواجه بانتقادات من معارضين وحقوقيين يرون أن هذه التهم ما هي إلا غطاء لما وصفوه على أنه قمع لحرية التعبير وللأصوات المعارضة للنظام.

وبالرغم من أن صنصال كان معروفًا بمواقفه المثيرة للجدل وانتقاداته الحادة للنظام، إلى حد التشكيك في الوحدة الترابية  للجزائر،  إلا أن محاكمته أثارت تساؤلات حول مدى تسييس القضايا القضائية في الجزائر على غرار ما يثار في فرنسا خاصة أثناء محاكمة الرئيس ساركوزي.

المجتمع الدولي: انتقادات وضغوط دبلوماسية

على المستوى الدولي، أثارت قضية صنصال ردود فعل واسعة من قبل الحكومات والمنظمات الحقوقية. فرنسا، على وجه الخصوص، كانت من بين الدول الأكثر انتقادًا وتبنيا للقضية،  حيث عبّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن أمله في أن يتمكن صنصال من “استعادة حريته”، موجها دعوة غير مباشرة للرئيس تبون إلى إصدار عفو رئاسي لصالح الكاتب.

من جهة أخرى، اعتبرت المنظمات الحقوقية مثل “هيومن رايتس ووتش” و”مراسلون بلا حدود” أن محاكمة صنصال تمثل انتهاكًا لحقوق الإنسان، خاصة حرية التعبير، وطالبت بالإفراج عنه فورًا.

هذه الضغوط الدولية جعلت القضية قضية حقوقية بامتياز، ودفعت العديد من الأطراف الدولية إلى توجيه الانتقادات للجزائر، معتبرة أن ملف صنصال هو دليل على صحة ما توجهه من اتهامات ضد الجزائر، حول تدهور للوضع الحقوقي في البلاد.

استغلال القضية في حلبة الصراع السياسي

من جانب آخر، استغلت، أطراف محسوبة على المعارضة بالخارج والمعروفة بدعمها للمغرب، القضية لتوجيه الانتقادات للنظام الجزائري، خاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان وحرية التعبير.

وسائل الإعلام المغربية رأت في محاكمة صنصال فرصة للضغط على الجزائر وتوجيه الاتهام لها بانتهاج ما أسمته القمع ضد المثقفين والنشطاء. بعض الأطراف المغربية اعتبرت أن محاكمة صنصال هي جزء من سياسة الجزائر في قمع المعارضة، وهو ما يعكس حالة الاستبداد التي تعيشها البلاد، حسب المغرب دائما.

هذا الاستغلال للقضية في السياق المغربي يبرز أهمية المسألة كأداة سياسية تتجاوز حدود الجزائر، ليصبح صراعًا إقليميًا ودبلوماسيًا بين البلدين، حيث تم توظيفها لأجل تقوية الموقف المغربي في المواجهة السياسية والإعلامية مع الجزائر.

الاحتمال الكبير: العفو الرئاسي وتأثيره السياسي

في ظل التوظيف السياسي للقضية، يبقى الاحتمال الأبرز هو أن يصدر الرئيس عبد المجيد تبون عفوًا رئاسيًا عن بوعلام صنصال، وهو ما يمكن أن يكون خطوة تهدئة سياسية في وقت حساس تعرفه علاقات الجزائر الخارجية مع باريس والرباط، العفو قد يكون بمثابة “ضربة مزدوجة” للنظام الجزائري: أولاً، إظهار الجانب الإنساني للنظام، وقدرته على التعامل مع القضايا الحقوقية بشكل أكثر مرونة، ثانيًا، سيكون بمثابة محاولة لتهدئة التوترات الدبلوماسية مع فرنسا التي وإن تواصل احتجاز صنصال، فإنها كانت ستنجح لا محالة في تحقيق اصطفاف أوروبي خلفها، وبالتالي ترميم الرواق الفرنسي الذي تحاول باريس إبقاءه، كمنفذ وحيد لدول أوروبا لأجل الوصول إلى تعاون اقتصادي أو سياسي مع الجزائر.

فالرئيس الفرنسي، وأمام تبني الرئيس تبون سياسة الانفتاح  على المحيط الاوروبي، كانت له قضية صلصال فرصة حقيقية لدفع الرأي العام  الاوروبي للضغط على الحكومات الأوروبية لمراجعة علاقاتها المباشرة مع الجزائر.

كما أن العفو سيساهم أيضًا، في حال استجابة الرئيس تبون للنداء الإنساني الذي أطلقه ماكرون، في تحسين صورة الجزائر على الساحة الدولية، خاصة في وقت تسعى فيه البلاد إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع دول العالم.

هل سيتحول العفو عن صنصال إلى عفو شامل؟

لكن من الناحية السياسية، قد تحاول بعض الأطراف استغلال هذا العفو كذريعة للمطالبة بعفو أوسع، خصوصًا إذا تطور الأمر إلى الحديث عن “مصالحة وطنية” أو توجه نحو تهدئة سياسية، سواءا اتجاه ما اصطلح على تسميتهم “بالعصابة التي تقبع في السجون”،  أو بعناصر  من الحراك المتورطة في نشاطات تهدد أمن واستقرار البلاد.

إذًا، تبقى القضية معقدة للغاية، حيث أن العفو الرئاسي عن بوعلام صنصال لن يكون مجرد خطوة قانونية، بل سيحمل في طياته رسائل سياسية ودبلوماسية عميقة. في حال قرر الرئيس تبون إصدار العفو، سيكون ذلك بمثابة خطوة نحو تهدئة الأوضاع داخليًا وخارجيًا، مع إبراز توجه نحو مرونة سياسية قد تساهم في تحسين العلاقات مع فرنسا والمجتمع الدولي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى