ماذا يحدث بين وزيري السكن والداخلية؟

شهدت ولاية وهران في الأيام الأخيرة تصعيدًا إعلاميًا لافتًا بين والي الولاية ومدير وكالة “عدل” للسكن، مما أثار تساؤلات حول خلفيات هذا الصدام وأبعاده الحقيقية.
فهل هو خلاف إداري بحت، أم أن الأمر مرتبط بحسابات سياسية لها علاقة مباشرة بتوازنات السلطة في الجزائر؟
لماذا وهران؟
وهران ليست مجرد ولاية عادية، فهي تُعتبر من بين الأهم في الجزائر، سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية. فهي ثاني أكبر مدينة بعد العاصمة، وميناؤها يُعد من الأكبر في البلاد، مما يجعلها مركزًا اقتصاديًا حيويًا.
كما أنها تستضيف مشاريع ضخمة في مجالات الطاقة والبنية التحتية، ما يجعل إدارتها محل تنافس بين مختلف مراكز التأثير داخل السلطة.
سياسيًا، لطالما شكلت وهران قاعدة نفوذ لبعض الشخصيات البارزة في النظام، خصوصًا المقربين من الرئيس عبد المجيد تبون. ويُذكر أن سعيد سعيود، الوالي السابق لوهران، والوزير الحالي، يُعرف بعلاقته القوية مع الرئيس بحكم ما يشاع عن صلة القرابة بينهما.
ما يثير التساؤلات اليوم هو ما إذا كان التراشق هو محاولة لإعادة التوازن داخل منظومة الحكم، أو ما إذا كان هذا الصدام جزءًا من معركة أوسع بين أجنحة داخل النظام كما تحاول المعارضة في الخارج تسويقه.
علاوة على ذلك، فإن وهران تُعتبر محطة انتخابية مهمة لأي طموح أو مشروع سياسي في الجزائر، وهو ما يجعل السيطرة على إدارتها أمرًا استراتيجياً، سواء من طرف الحكومة أو من طرف شخصيات تسعى لتعزيز نفوذها قبل أي استحقاق سياسي قادم.
هل للصراع علاقة بتعديل حكومي قريب؟
يتزامن هذا التوتر مع الحديث داخل دهاليز السلطة عن إمكانية العودة للحديث عن ضرورة إجراء تعديل حكومي، ما قد يجعل هذه الأزمة أكثر من مجرد خلاف إداري. عادةً، عندما تبرز خلافات من هذا النوع في العلن، فإنها تكون إما تمهيدًا لتغييرات في المناصب أو جزءًا من معركة نفوذ داخل هرم الدولة.
في هذا السياق، يبدو أن وهران في عهد الرئيس تبون، أصبحت بمثابة “مطبخ سياسي” أين يتم اختبار الولاءات وإعادة ترتيب التحالفات داخل السلطة، وتجدر الإشارة إلى أن عددا من الوزراء وصلوا إلى مناصبهم عبر ممر وهران، فالصراعات التي تظهر على السطح في هذه المدينة قد تكون مجرد انعكاسا لصراع أكبر يدور خلف الكواليس. وربما تسعى بعض الأطراف إلى استغلاله كوسيلة للتأثير على قرارات متوقع اتخاذها قريبا.
ما دور وزيري الداخلية والسكن؟
لم يصدر أي تصريح من وزير الداخلية ولا حتى من وزير السكن على الرغم من أن الاشتباك مرتبط بإدارتين تابعتين لقطاعيهما، فهل يعكس ذلك خلافًا غير معلن بين الوزيرين؟ وهل يمكن أن يكون هذا الخلاف جزءًا من توترات أوسع داخل الحكومة؟
هذا الصراع يذكرنا بخلافات أخرى بين وزراء داخل الطاقم الحكومي، مثل التنافس القائم بين وزير الشباب ووزير الرياضة حول إدارة قطاع واحد وهو قطاع الشباب والرياضة، أو التباين الواضح بين وزير التجارة الداخلية وزميله وزير التجارة الخارجية، اللذان وجدا نفسيها يتنافسان السيطرة على قطاع واحد وهو التجارة وترقية الصادرات.
فهل نحن مقبلين على حالة من حالات الانسداد الحكومي بسبب ضعف التنسيق بين الوزراء؟ أم أن هذه النزاعات مجرد تجليات لصراعات نفوذ أعمق تعكس خللًا عميقا في إدارة الشأن العام وجب تداركه لأجل حل المشاكل المتراكمة التي تثقل كاهل المواطن.
ماعدا فرضية التعديل الحكومي، فقد يكون هذا التراشق الإعلامي بين والي وهران ومدير وكالة “عدل” جزءًا من أجواء طبيعية تسبق تغييرات كبرى في هرم السلطة، بما في ذلك اختيار أو استخلاف رئيس مجلس الأمة صالح قوجيل المنتهية عهدته.
هل لعريبي المرشح هو المستهدف؟
خرجة والي وهران الأخيرة التي أظهر فيها بالصوت والصورة عيوب قطاع السكن، كان لها تأثير كبير على صورة وزير السكن، محمد طارق بلعريبي، وهو الذي نال قبل وقت قريب وساماً بقرار رئاسي، نظير ما قدمه من خدمات للأمة في قطاعه، يعتبر من المقربين جدا من الرئيس تبون الذي سبق له أن شغل منصب وزير السكن قبل أن يصبح رئيساً.
تقليد الرئيس تبون لخليفته على قطاع السكن بالوسام، فسر على أنه تزكية وتمهيد لإعلان ترشحه في الانتخابات الرئاسية المقبلة. فهل جاءت خرجة الوالي لتدفن الطموح السياسي لوزير السكن؟
تصريحات والي وهران التي أشار فيها إلى العديد من التحديات والعيوب في قطاع السكن ألقت بظلالها على عمل وزارة لعريبي، مما أثار تساؤلات حول مدى فعالية السياسات المتبعة في هذا القطاع الحيوي.
الوزير الذي تلقى التكريم الرئاسي يجد نفسه اليوم في موقف صعب بعد هذه التصريحات الصادرة من داخل الحكومة، حيث وضعته هذه الانتقادات في دائرة الشكوك حول قدرته على مواجهة الملفات الشائكة، مثل تسيير ملف السكن لملايين المواطنين الذين يعانون من سوء إدارة القطاع على الرغم من الانجازات الكبيرة التي حققها.
فهل ما حدث في وهران هو محاولة لإضعاف صورة الوزير الشاب، خصوصاً أن ملف السكن يعتبر من أبرز القضايا التي تشغل الرأي العام. فبدلاً من استغلال التكريم لتدعيم موقعه، جاءت تصريحات والي وهران لتسليط الضوء على صعوبات تواجهها الوزارة، فهل سيؤثر ذلك على مصداقية الوزير ويؤثر على الثقة التي منحه إياها رئيس الجمهورية.
الجدل القائم حول تصريحات والي وهران يوضح أن استقرار أي مشروع سياسي أو اجتماعي، مثل السكن، يحتاج إلى تنسيق وتعاون بين مختلف المستويات الحكومية، ويظهر كيف أن الانتقادات أو التراشق داخل الحكومة يمكن أن يؤثر سلباً على صورة الشخصيات السياسية، حتى وإن كانت قد حصلت على تكريم رئاسي.
الأكيد أن ما يجري في وهران قد يكون أكثر من مجرد خلاف حول قضية سوء تسيير البنية التحتية أو إدارة مشاريع انجاز السكنات، فالسياق السياسي الذي يحيط بهذا التراشق الإعلامي يشير إلى احتمال وجود تنافس على النفوذ داخل دوائر السلطة مرتبط بمواعيد سياسية هامة أبرزها الرئاسيات القادمة التي لن يكون بوسع الرئيس تبون الترشح فيها لعهدة ثالثة وفقا لدستور البلاد الذي أنهى ما يسمى فتح العهدات.
فهل سيكون لهذا الصدام تأثير مباشر على صناعة المستقبل السياسي للبلاد أم أنه مجرد معركة مؤقتة سرعان ما ستنتهي أطوارها خلال الأيام المقبلة.
الرئيس تبون ومعادلة الفساد والتقصير









