
يبدو أن انخراط الجزائر في دعم الجيش السوداني ضد قوات الدعم السريع كان له أثر حاسم في مجريات الصراع، حيث أسهم في استعادة السيطرة على العاصمة السودانية ومباشرة عمليات مطاردة إرهابيي الدعم السريع عبر مختلف أنحاء البلاد.
وعلى الرغم من عدم توفر أدلة رسمية على تقديم الجزائر دعماً عسكرياً مباشراً، إلا أن معطيات الأزمة تشير إلى دور جزائري أصبح واضحا في دعم مشروع استعادة الأمن والاستقرار في السودان ودحر جماعات الدعم السريع.
تُتهم قوات الدعم السريع بارتكاب مجازر وحشية، لا سيما ضد قبائل مثل المساليت في غرب دارفور، حيث شهدت مدينة الجنينة عمليات إبادة جماعية بين أبريل ويونيو 2023، راح ضحيتها الآلاف.
كما قامت هذه القوات، بالتعاون مع ميليشيات محلية، بشنّ عمليات نهب وحرق للقرى في دارفور الكبرى، ما أدى إلى تهجير جماعي للسكان.
ورغم أن الجيش السوداني لم يكن المتهم الرئيسي بارتكاب المجازر، إلا أنه تعرض لانتقادات حادة بسبب فشله في حماية المدنيين، خاصة في مدن مثل الجنينة ونيالا، حيث تسببت غاراته الجوية في وقوع ضحايا من المدنيين عن طريق الخطأ.
من جهة أخرى، أشارت تقارير إلى احتمال وجود مقاتلين أجانب متحالفين مع الدعم السريع، خاصة من تشاد وأفريقيا الوسطى، ما زاد من تصعيد العنف العرقي نظراً لعدم ارتباط هؤلاء المقاتلين بالمجتمعات المحلية، وهو ما جعلهم يمارسون العنف بلا قيود.
الأمم المتحدة وصفت ما حدث في دارفور بأنه “جرائم ضد الإنسانية”، فيما فتحت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقًا جديدًا حول تلك الجرائم، في تكرار لمشاهد التحقيقات التي أجريت بشأن مجازر دارفور عام 2003.
تشابه بين التجربتين الجزائرية والسودانية
تشترك التجربة السودانية الحالية مع التجربة الجزائرية خلال العشرية السوداء في عدة نقاط، أبرزها تجنيد الدولة لمدنيين كقوى للدفاع عن القرى والمداشر المعزولة خاصة، وكذا استخدام الإعلام في توعية الرأي العام لأجل الوصول إلى فرض الحسم العسكري في النزاع.
تسليح المدنيين كاستراتيجية دفاعية:
في الجزائر، اعتمدت الدولة على “قوات الدفاع الذاتي”، وهي مجموعات شبه عسكرية تم تسليحها لحماية القرى والمناطق الريفية من الجماعات المسلحة، التي ارتكبت بدورها مجازر ضد المدنيين.
في السودان، بدأ الجيش في تجنيد القبائل تحت مسمى “المستنفرين”، حيث جرى تسليح مجموعات محلية لمواجهة قوات الدعم السريع، خاصة من قبائل النوبة والمساليت وبعض الفصائل المسلحة السابقة.
في الجزائر، ساهمت المجازر التي ارتكبتها الجماعات الإسلامية المسلحة، بسبب بشاعتها في دفع المدنيين للالتحاق بالميليشيات المحلية والجيش، بعد شعورهم بأن الدولة بسبب اتساع الرقعة الجغرافية للبلاد، هي بحاجة إلى دعم لأجل حمايتهم.
في السودان، أفضت المجازر التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، خاصة في دارفور، إلى دفع الشباب إلى حمل السلاح تحت راية المستنفرين، خوفًا من عمليات الإبادة والانتقام.
في السودان لعب الإعلام الرسمي دورًا حيويًا في تعبئة السكان ضد الجماعات المسلحة للدعم السريع من خلال بث صور المجازر والترويج لخطاب “حماية الدولة من الفوضى”.
الاختلافات بين التجربتين
على الرغم من أوجه التشابه، هناك اختلافات جوهرية بين الصراعين: فعلى عكس السودان، في الجزائر كان الصراع بين الدولة والجماعات الإسلامية المتطرفة، التي لم يتسع الوقت أمامها لتشكل قوة شبه عسكرية منشقة كما كان انصار علي بلحاج يصرحون به علنية.
كما أن الاختلاف أيضا واضح في البعد العرقي في النزاع وهو ما تسبب في تعقيدات أكثر أمام السودانيين، أين تلعب الهوية القبلية دورًا محوريًا في تأجيج العنف.
التدخلات الخارجية التي كانت في السودان أكثر وضوحًا، مع اتهامات لدول بدعم قوات الدعم السريع، مقابل دعم مصر والسعودية للجيش السوداني، في الجزائر كانت أقل، على الرغم من تورط المغرب الأقصى في احتضان جماعات لعيايدة الذي اعترف بتوفير الملك الحسن الثاني له ولجماعاته المسلحة قواعد خلفية على الحدود المشتركة بين البلدين، استغلت لأجل تنفيذ اعتداءات ارهابية في عمق الجزائر.
رغم أن السودان لم يستنسخ التجربة الجزائرية بحذافيرها، إلا أنه استخدم العديد من الأدوات، مثل تسليح المدنيين، وتوظيف الإعلام، والعمل على فرض الحسم العسكري.
الجزائر التي أظهرت استعدادها لدعم الجيش السوداني في صراعه ضد قوات الدعم السريع، لم يتأكد دعمها العسكري المباشر له سواءا بالأسلحة أو بالطائرات، إلا أنها قدمت حتما دعمًا سياسيًا واستراتيجيًا واضحًا للحكومة السودانية.
هذا الدعم جاء في إطار سياسة الجزائر الدائمة في مساعدة الأنظمة الإفريقية في أوقات الأزمات، خاصة تلك التي تتعلق بالحروب الأهلية.
ويبقى السؤال الأهم: هل سيتمكن الجيش السوداني من تحقيق “نصر حاسم” كما فعل الجيش الجزائري، أم أن العوامل القبلية والجيوسياسية ستؤدي إلى استمرار الصراع لفترة أطول؟
الرئيس تبون ومعادلة الفساد والتقصير









