الحدثدولي

ترامب واختبار تماسك الاتحاد الاوروبي…

أمس 2 أبريل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن فرض تعريفات جمركية جديدة تستهدف مجموعة واسعة من السلع المستوردة، مما أثار ردود فعل واسعة على الصعيدين الدولي والأوروبي.

هذه الخطوة تضع الاتحاد الأوروبي أمام تحديات كبيرة، ليس فقط في مواجهة السياسات الأمريكية، ولكن أيضًا في الحفاظ على وحدته وانسجامه الداخلي في ظل اختلاف التأثيرات الاقتصادية بين دوله الأعضاء.

ففي خطوة تهدف إلى تعزيز الميزة التنافسية للاقتصاد الأمريكي، فرضت الولايات المتحدة رسومًا جمركية بنسبة 10% على غالبية السلع المستوردة من الخارج، بالإضافة إلى رسوم تصل إلى 20% على الواردات من الاتحاد الأوروبي، بحسب ما ذكرته وكالة “رويترز”.

تستهدف هذه الرسوم الأمريكية بشكل خاص المنتجات التي تمثل قيمة كبيرة في التجارة بين الطرفين، مثل السيارات الأوروبية، التي تشكل نحو 40% من صادرات الاتحاد الأوروبي للولايات المتحدة، ومنتجات الفولاذ والألمنيوم.

ووفقًا لمصادر عديدة،  فقد بلغت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة في 2024 حوالي 500 مليار يورو، ويشكل هذا الرقم نحو 20% من إجمالي تجارة الاتحاد الأوروبي مع العالم. وبذلك، فإن فرض رسوم جمركية جديدة يعني تهديدًا مباشرًا للعديد من الاقتصادات الأوروبية.

على سبيل المثال، تشير تقديرات الاتحاد الأوروبي إلى أن الرسوم الجمركية الأمريكية قد تؤدي إلى خسائر اقتصادية تقدر بـ 6 مليارات يورو سنويًا على الأقل، وهو ما يمثل ضغطًا إضافيًا على اقتصادات بعض الدول الأعضاء مثل ألمانيا وفرنسا اللتان تشكلان العمود الفقري لجسم الاتحاد الأوروبي.

تباين التأثيرات الاقتصادية بين دول الاتحاد الأوروبي

يتفاو الأثر المالي والاقتصادي المحتمل لهذه الرسوم بين دول الاتحاد الأوروبي. على سبيل المثال، ألمانيا، التي تعتبر أكبر اقتصاد في الاتحاد، ستكون واحدة من الدول الأكثر تضررًا نظرًا لحجم صادراتها الكبيرة من السيارات والمكونات الصناعية إلى الولايات المتحدة. ووفقًا لتقرير صادر عن “مجلس الأعمال الألماني”، يمكن أن تتعرض صادرات السيارات الألمانية إلى خسائر تقدر بنحو 2 مليار يورو سنويًا إذا تم تطبيق الرسوم بنسبة 20%.

أما بالنسبة لفرنسا، فقد صرح وزير الاقتصاد الفرنسي أن صادراتها إلى الولايات المتحدة، التي بلغت حوالي 20 مليار يورو في عام 2024، ستتأثر بشكل كبير أيضًا. وتشير التقديرات إلى أن هذا التباطؤ في الصادرات قد يكلف الاقتصاد الفرنسي حوالي 1.5 مليار يورو سنويًا.

في المقابل، قد تكون دول مثل بولندا أو بعض دول البحر الأبيض المتوسط أقل تأثرًا، حيث أن صادراتها إلى الولايات المتحدة تمثل نسبة أقل من إجمالي تجارتها. وعلى الرغم من ذلك، قد يظل هذا التفاوت  يشكل تحديًا كبيرًا أمام الاتحاد الأوروبي في طريق التوصل إلى رد فعل موحد ضد السياسات الأمريكية.

ترامب وسياسة المكاييل المختلفة: تعزيز الانقسامات الأوروبية

من خلال فرض رسوم جمركية متفاوتة على دول الاتحاد الأوروبي، يسعى ترامب إلى استغلال التباينات الاقتصادية والسياسية بين دول القارة العجوز. فعلى سبيل المثال، قد تفرض الولايات المتحدة رسومًا أعلى على بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا وألمانيا بينما تكون الرسوم على دول أخرى مثل بولندا أو إيطاليا أقل. هذه السياسة التي تعتمد على التعامل بمكاييل مختلفة تجعل من الصعب على الاتحاد الأوروبي اتخاذ موقف موحد تجاه الولايات المتحدة، إذ تختلف مصالح الدول الأعضاء بحسب درجة تأثرها بهذه الرسوم.

من خلال هذه السياسة، يسعى ترامب إلى تعميق الانقسامات داخل البيت الأوروبي المتآكل أصلا بسبب حرب أوكرانيا، مما يضعف الموقف الجماعي ويجعل بعض الدول أكثر استعدادًا للتفاوض بشكل منفرد مع الولايات المتحدة. وهو ما قد يؤدي حتما إلى انهيار التضامن داخل الاتحاد ويجعل من الصعب تشكيل جبهة موحدة في وجه سياسات ترامب.

ردود الفعل الأوروبية: التحضير لإجراءات مضادة

في مواجهة هذه التطورات، أعربت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، عن أسفها العميق لقرار ترامب، محذرة من “عواقب وخيمة” على الاقتصاد العالمي. وقالت في تصريحات صحفية: “إذا استمرت الولايات المتحدة في هذه السياسات، سيجد الاتحاد الأوروبي نفسه مضطرًا للرد بحزم”. وأكدت أن الاتحاد الأوروبي بصدد إعداد حزمة من التدابير المضادة، تستهدف سلعًا أمريكية بقيمة تصل إلى 26 مليار يورو وهو ما يعادل حوالي 28.4 مليار دولار.

وأضافت أن هذه الإجراءات قد تشمل زيادة الرسوم الجمركية على مجموعة من المنتجات الأمريكية، مثل النبيذ والمشروبات الروحية. ووفقًا للمفوضية الأوروبية، فإن هذه التدابير ستكون بمثابة رد متناسب على فرض أمريكا لرسومها الجديدة.

التحديات المستقبلية: الحفاظ على وحدة الاتحاد الأوروبي

تواجه دول الاتحاد الأوروبي تحديًا كبيرًا في التنسيق فيما بينها لمواجهة السياسات الأمريكية دون تعميق الانقسامات الداخلية. يتطلب ذلك جهودًا دبلوماسية مكثفة لضمان استجابة موحدة، مع مراعاة المصالح الاقتصادية المتنوعة للدول الأعضاء. فشل الاتحاد في تحقيق ذلك قد يؤدي إلى تفكك الوحدة الأوروبية ويزيد من ضعف الموقف التفاوضي للاتحاد أمام الولايات المتحدة.

التوترات التجارية قد تساهم أيضًا في زيادة الاحتكاك بين الحكومات الأوروبية، لا سيما مع استمرار الضغوط الاقتصادية الداخلية الناتجة عن تباطؤ النمو في بعض الدول الأعضاء. في هذا السياق، قد تبدأ بعض الحكومات الأوروبية في تبني سياسات أقل عدوانية مع الولايات المتحدة لتجنب التأثيرات الاقتصادية السلبية.

الآفاق المستقبلية: التوحيد أو التفكك؟

إن نجاح الاتحاد الأوروبي في توحيد مواقفه تجاه سياسة ترامب التجارية يعتمد على مدى قدرته على التنسيق بين مصالح الدول الأعضاء. إذا وصل الاتحاد إلى تحقيق توافق حول استراتيجية موحدة، فقد يكون له تأثير كبير في الضغط على الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن صعوبة التعامل مع التباينات الداخلية بين الدول الأعضاء قد يؤدي إلى تفكك هذه الوحدة ويعزز من قدرة ترامب على فرض إرادته.

وتبقى ما أصبح يعرف ابتداءا من ليلة أمس، أزمة تعريفات ترامب الجمركية،فرصة كبيرة لاختبار قوة الاتحاد الأوروبي في مواجهة التحديات الخارجية. نجاحه في الحفاظ على الوحدة في هذا السياق سيكون حاسمًا ليس فقط في التعامل مع الولايات المتحدة، بل في تحديد مدى استعداده لاتخاذ موقف موحد اتجاه التحديات القادمة وعلى رأسها، اجتياح الصين لتايوان، وما يتطلبه من تنسيق لأجل فرض عقوبات موحدة تؤخر بكين وتكبح جماحها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى