
أثار الإعلان عن استئناف الحوار السياسي بين الجزائر وفرنسا ردود فعل متباينة في الأوساط الدبلوماسية والإعلامية الإسبانية، حيث رأت مدريد في هذا التقارب خطوة قد تُضعف موقعها الجيوسياسي وتُكرّس عزلتها الإقليمية، في ظل الجمود المستمر في علاقاتها مع الجزائر منذ مارس 2022، على خلفية موقف الحكومة الإسبانية الداعم لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء الغربية.
وقد عبّرت صحيفة El País الإسبانية عن هذا التوجّس، حيث كتبت في تقرير لها بتاريخ 21 فبراير 2025: “إسبانيا والجزائر تطبعان العلاقات بعد سنوات من الأزمة، لكن الحذر لا يزال سيّد الموقف في الجزائر التي لم تنسَ بعد ما تعتبره خيانة لطموحات الشعب الصحراوي.”
هذا الحذر الجزائري يقابله قلق متصاعد في مدريد من تمدد النفوذ الفرنسي في شمال إفريقيا، لا سيما بعد أن شرعت باريس في إعادة بناء الثقة مع الجزائر، على خلفية ملفات الذاكرة والغاز والتعاون الأمني. وتخوّفت صحيفة La Razón من أن يكون التقارب الفرنسي-الجزائري على حساب المصالح الإسبانية، وجاء في أحد تقاريرها: “باريس تواصل محاولات التهدئة للحفاظ على مصالحها، وهو ما قد يُقصي شركاء أوروبيين آخرين كإسبانيا.”
وتعكس هذه المخاوف أيضًا حجم الخسائر السياسية والاقتصادية التي لحقت بإسبانيا جرّاء التدهور في علاقاتها مع الجزائر، خاصة في مجال الطاقة. وفي هذا الصدد، نقلت إذاعة Cadena SER عن مصادر دبلوماسية جزائرية أن “الجزائر تعتبر موقف إسبانيا من الصحراء الغربية خيانة تاريخية ثانية، ولن تنسى ذلك بسهولة.”
هذه التصريحات تعكس بوضوح أن تطبيع العلاقات بين الجزائر وإسبانيا ليس مجرد مسألة تقنية أو اقتصادية، بل يرتبط بخيارات سياسية كبرى تتصل بموازين القوى في المنطقة وبالملف الصحراوي المعقد.
ومع تزايد مؤشرات الانفتاح الجزائري على شركاء جدد مثل إيطاليا وألمانيا، تدق الأوساط الاقتصادية والسياسية الإسبانية ناقوس الخطر. فقد حذّر عدد من المحللين من أن تأخر مدريد في تعديل مواقفها سيؤدي إلى خسارة لشريك استراتيجي مهم، ومورد طاقوي حيوي، وسوق واعدة للاستثمار والتعاون.
وفيما تبدو باريس مصممة في تحركاتها لإعادة التموضع في الجزائر، تجد إسبانيا نفسها أمام اختبار دبلوماسي عسير: إما مراجعة مواقفها والانخراط في حوار صادق مع الجزائر، أو القبول بفقدان موقعها التقليدي في ضفة المتوسط الجنوبية لصالح منافسين أوروبيين أكثر مرونة وحنكة.









