الرئيس تبون ومعادلة الفساد والتقصير

بالصيغة الورقية
الحدث

كيف تتنافس الجزائر، الرباط واسطنبول على الوقوع في فخ أوكرانيا

.في ظل التحديات المستمرة التي تواجه أوروبا في تأمين إمدادات الطاقة، ظهرت عدة محاولات استراتيجية تهدف إلى فك الاختناق الطاقوي الذي تسببت فيه الأزمة الروسية–الأوكرانية، والتي عطلت تدفق الغاز الروسي إلى القارة الأوروبية. ومن بين هذه المحاولات، تتجلى بوضوح استراتيجيات الجزائر، المغرب، وتركيا التي تسعى لتوسيع نطاق نفوذها في سوق الطاقة الأوروبية، كلٌّ من خلال قنوات مختلفة.

1. الجزائر: تعزيز مكانتها كمورد رئيسي للغاز إلى أوروبا

الجزائر، التي تعتبر واحدة من أكبر موردي الغاز إلى أوروبا، تستفيد بشكل كبير من مشاريع الغاز عبر خطوط الأنابيب التي تمر عبر البحر الأبيض المتوسط. في هذا السياق، تسعى الجزائر إلى الحفاظ على هيمنتها الطاقوية وتعزيز دورها كمورد أساسي للغاز الأوروبي. ومع ذلك، فإن التحديات الجيوسياسية التي تفرضها قضية الصحراء الغربية قد تؤثر على استراتيجية الجزائر في هذا المجال.

أحد المشاريع الطموحة التي تعمل الجزائر على تنفيذها هو خط أنابيب الغاز الذي يربط نيجيريا بأوروبا. هذا المشروع الذي يشمل الغاز النيجيري، سيُمكّن أوروبا من تقليل اعتمادها على الغاز الروسي، بينما يعزز مكانة الجزائر كمورد رئيسي للطاقة في القارة.

ومع ذلك، فإن التقارب المتزايد بين المغرب ونيجيريا في هذا المشروع قد يضع الجزائر في موقف صعب، حيث إن الجزائر والمغرب يعانيان من توترات جيوسياسية مزمنة، خصوصًا فيما يتعلق بقضية الصحراء الغربية.

في هذا السياق، صرح وزير الطاقة الجزائري في أبريل 2024 قائلاً: “الجزائر مستعدة لتقديم إمدادات مستقرة وموثوقة من الغاز إلى أوروبا، ولكن التحديات الجيوسياسية الإقليمية قد تؤثر على استراتيجياتنا الطاقوية”. وهو تصريح يعكس التحديات التي تواجهها الجزائر في سياق التوترات المستمرة مع المغرب.

2. المغرب: استراتيجية فك الاختناق الطاقوي عبر الغاز النيجيري

المغرب، الذي يعتبر شريكًا أساسيًا في المشروع الطاقوي بين نيجيريا وأوروبا، يسعى إلى الاستفادة من موقعه الجغرافي كحلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا. عبر المشروع الذي يربط نيجيريا بالغاز الطبيعي إلى أوروبا، يسعى المغرب إلى خلق موقع له في سوق الطاقة الأوروبية، ما سيمنحه نفوذًا إضافيًا في المنطقة.

لكن هذه الاستراتيجية الطاقوية ليست فقط خطوة نحو الاستقلال الطاقوي لأوروبا عن الغاز الروسي، بل هي أيضًا بمثابة منافسة مباشرة للمكانة التي تحاول الجزائر الحفاظ عليها كمورد رئيسي للغاز.

كما أن المشروع الغازي النيجيري–المغربي يمثل نقطة تحول في العلاقات بين المغرب ونيجيريا، ويمنح المغرب فرصة لتوسيع نفوذه في المنطقة. ومن المحتمل أن يساهم هذا المشروع في تقوية موقف المغرب ويمنحه مزيدًا من أوراق الضغط على الجزائر.

أحد المحللين السياسيين قال في صحيفة “الشرق الأوسط” في سبتمبر 2024: “المشروع الغازي النيجيري سيُعد نقطة تحول حاسمة في العلاقات بين المغرب والجزائر، حيث يُمكن أن يعزز نفوذ المغرب في شمال إفريقيا ويوفر له أوراق ضغط جديدة في ملف الصحراء الغربية”، وهو ما يشير إلى أن الرباط تسعى لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية كبيرة في إطار هذه المبادرة.

3. تركيا: محاولة ربط أوروبا بالغاز القطري عبر سوريا

في الوقت الذي تتنافس فيه الجزائر والمغرب على فك الاختناق الطاقوي على أوروبا عبر نيجريا،  تأتي تركيا بخطة طاقوية مختلفة تماما. تركيا، التي تسعى إلى تعزيز دورها كمحور طاقوي في المنطقة، تعمل على ربط الغاز القطري بأوروبا عبر سوريا. وهذا المشروع يمثل حلقة وصل رئيسية بين الخليج العربي وأوروبا.

من خلال هذا المشروع، تأمل تركيا في أن تكون مركزًا إقليميًا للتوزيع الطاقوي، مع تقديم الغاز القطري كبديل لمصادر الطاقة التقليدية. هذا المشروع يمكن أن يمثل تهديدًا استراتيجيًا لكل من الجزائر والمغرب، حيث سيسهم في تقليل الاعتماد الأوروبي على الغاز الجزائري والغاز الروسي معا. علاوة على ذلك، قد تواجه تركيا تحديات أمنية كبيرة بسبب الصراع في سوريا، الذي قد يُعرقل أي محاولة لمد أنابيب الغاز عبر هذه المنطقة.

في تصريح لرئيس تركيا رجب طيب أردوغان في ديسمبر 2024، قال: “تركيا تعمل على تطوير طرق جديدة وآمنة لتمرير الغاز إلى أوروبا، ولن تقتصر على الخيارات التقليدية فقط”. يشير هذا التصريح إلى نية تركيا في تحقيق استقلالية طاقوية أوسع، مما يزيد من تعقيد المنافسة على أسواق الغاز الأوروبية.

ومع ذلك، إذا نجحت تركيا في تنفيذ هذا المشروع الطاقوي، فإنها قد تفتح أسواقًا جديدة للغاز القطري، مما يعزز من نفوذها في السوق الأوروبي. وقد يشكل هذا تحولًا في الهيمنة الطاقوية في البحر الأبيض المتوسط ويُسهم في إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية.

إن لاندلاع حرب أوكرانيا في فبراير 2022 تأثير عميق على المشهد الجيوسياسي، خصوصًا فيما يتعلق بإمدادات الطاقة إلى أوروبا. منذ سنوات، كانت روسيا تعمل على تعزيز هيمنتها الطاقوية على القارة الأوروبية عبر مشاريع ضخمة مثل خط أنابيب “السيل الشمالي”، الذي كان يهدف إلى زيادة الصادرات الروسية من الغاز إلى أوروبا. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن حرب أوكرانيا قد تكون لها أبعاد استراتيجية أوسع، تتجاوز التصعيد العسكري وتهدف بشكل مباشر إلى إعاقة الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي.

تعد أوكرانيا بموقعها الجغرافي حاجزًا طبيعيًا بين روسيا وأوروبا، ومن خلال السيطرة على أوكرانيا، كانت روسيا تسعى إلى ضمان أمن خطوط أنابيبها التي تمر عبر أراضي أوكرانيا، مما يمنحها قدرة كبيرة على التحكم في إمدادات الغاز إلى أوروبا. لكن مع تصاعد الحرب، وتدمير بعض البنى التحتية الحيوية، تعطلت خطط بوتين التي كانت تهدف إلى إخضاع أوروبا له طاقويا.

فهل كان إجهاض تزويد أوروبا بالطاقة هو الدافع الحقيقي وراء حرب أوكرانيا؟

لقد ساعدت الحرب  في خلق حالة من الفوضى الاقتصادية والأمنية في أوروبا، مما أضعف فرصها في إيجاد بدائل للطاقة، وسمح لروسيا بالاستمرار في توظيف ورقة الغاز كأداة ضغط سياسي.

وانطلاقا من هذا الاستنتاج، ألا يعتبر تنافس تركيا، المغرب والجزائر على فك الاختناق الطاقوي على أوروبا، تهديدا لهم جميعا؟

فأمريكا التي تحاول، رغم غلاءه، فرض غازها الصخري بديلا للغاز الروسي، قد يؤلمها سعي الأطراف الثلاث لإيجاد منفذ آخر لحالة الاختناق الطاقوي التي وإن تواصلت ستتسبب حتما في تصدع الاتحاد الأوروبي وتفككه، وعليه فكيف للجزائر مثلا أن تدخل سباقا يتعارض والمخطط الدولي الهادف إلى التخلص من القطب الأوروبي وبالتالي إجهاض مشروع بناء نظام متعدد الاقطاب كما ترغب فرنسا أو الصين في تحقيقه.

فكيف إذا لدولة كالجزائر أن تساهم في إبقاء الاتحاد الأوروبي تحت ضغط ورقة الغاز، وهي تساهم من جهة أخرى في إنجاز أنبوب نيجيريا أوروبا؟

الضرف الدولي الذي يتوقع أن تعمل الجزائر على توفيره، مرتبط بخلق حلقة وصل حقيقية بين إفشال مشاريع فك الاختناق الطاقوي على أوروبا وقيام دولة الصحراء الغربية.

الجزائر، التي تُعد أحد أكبر داعمي جبهة البوليساريو، تعتبر قضية الصحراء الغربية جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي. لذلك، فإن أي تقدم أو تطور في المشروع الغازي بين المغرب ونيجيريا قد ينعكس على موقف الجزائر في هذه القضية. قيام دولة مستقلة في الصحراء الغربية، سيسمح بخلق حاجز طبيعي أمام مشاريع  خطوط إمداد الطاقة من نيجيريا إلى أوروبا عبر المغرب.

في تصريح لصحيفة “القدس العربي” في يناير 2025، قال مبعوث الأمم المتحدة للصحراء الغربية: “حل قضية الصحراء الغربية لا يزال يشكل حجر عثرة في تحقيق الاستقرار الإقليمي، وبالأخص في سياق المشاريع الطاقوية الكبرى مثل مشروع الغاز النيجيري والمغربي”. هذا التصريح يعكس التأثير المباشر لقضية الصحراء الغربية على سوق الطاقة الإقليمية.

في نفس السياق، يمكن أن تُستخدم قضية الصحراء الغربية كورقة ضغط من قبل بعض الأطراف الدولية التي قد تعارض مشاريع الطاقة التي تقودها المغرب، هذه العوامل الجيوسياسية قد تؤثر بشكل غير مباشر على الاستقرار الإقليمي.

إذا تم الاعتراف دوليًا بـ دولة الصحراء الغربية، فإن ذلك سيبطل حتما  كل الخطط التي تهدد هيمنة الجزائر في مجال الطاقة، أما على المستوى الدولي، يمكن أن يُنظر إلى الاعتراف بـدولة الصحراء الغربية على أنه بداية لتحولات استراتيجية عميقة قد تؤدي إلى تشكيل تحالفات جديدة في المنطقة.

يتضح أن محاولات فك الاختناق الطاقوي عن أوروبا تشمل عدة استراتيجيات مترابطة، حيث تعمل الجزائر، المغرب وتركيا على تحفيز مصادر الطاقة البديلة بهدف تقليل الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي. ومع ذلك، هناك عناصر جيوسياسية معقدة إضافية، من أبرزها قضية الصحراء الغربية التي قد تكون عاملًا رئيسيًا في تحديد مسار تنفيذ هذه المشاريع.

أخيرًا، سواء عبر الغاز الجزائري، الغاز النيجيري، أو الغاز القطري، تظل أوروبا أمام تحديات كبيرة تحول دون تحقيقها لأمن طاقوي مستدام. إلا أن العوامل السياسية الإقليمية، تؤكد أنه على الجزائر تعطيل إنجاز الأنبوب النيجيري بدلا من السعي لاتمامه وهذا حتى تخرج من دائرة الاستهداف، بالمقابل فإن استمرار المغرب في تحقيق مشروع أنبوب نيجيريا عبره، سيجعل أمنها القومي مهددا، فكيف للجزائر إذا أن تضحي بأنبوب نيجيريا دون أن تكون وسيلة حرب بيد الأطراف الدولية النافذة التي لن تتردد في جر المنطقة إلى الحرب وبالتالي إحباط المشروع الآخر عبر الرباط؟

تعليق واحد

  1. مقال بسيط و مفصل عن هذا الملف الحساس و المحوري في تطبيق نظرية .. هل انا مع او ضد الدور الدولي ..
    اظن ان التحركات الاخيرة و التصريحات هنا و هناك تصب في هذا الملف نذكر منها ما حدث بين الجزائر و دول الساحل ، و ايضا التقارب الفرنسي الجزائري ، و كذلك فيما يخص ملف الصحراء الغربية ، دون ان ننسى زيارة ماكرون لمصر و علاقته بتركيا ، و ايضا تصريحات ترامب فيما يخص اردوغان و سوريا … .
    الملف دخل منعرجا حرجا جدا ، و غي طويل العمر اللي يسلك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى