
بعد الانقلاب الذي قاده إبراهيم تراوري في بوركينا فاسو في سبتمبر 2022، أصبحت البلاد في مرحلة تحول سياسي واقتصادي عميق. وبينما كان الشعب يأمل في إصلاحات اقتصادية واجتماعية، تتعمق التساؤلات اليوم حول كيفية توزيع الثروة الاقتصادية للبلاد، ومن يسيطر على مفاصل الاقتصاد فيه.
يتضح من خلال التطورات المسجلة في الفترة الأخيرة أن بعض رجال الأعمال المحيطين بتراوري أصبحوا القوة المهيمنة على الاقتصاد الوطني، مع دعم غير مباشر من مستشارين صينيين, يتقاسمون معا حصص احتكار العديد من القطاعات الحيوية.
رجال الأعمال المحيطين بتراوري:
منذ وصوله إلى السلطة، ظهر عدد من رجال الأعمال الذين نجحوا في بناء علاقات وثيقة مع النظام الحاكم الجديد. هؤلاء الأشخاص لم يقتصر دورهم على الساحة التجارية المحلية، بل امتد تأثيرهم إلى القطاع العام والخاص، ما سمح لهم بالهيمنة على الكثير من النشاطات الاقتصادية الأساسية في بوركينا فاسو.
فقطاع التعدين، وخاصة الذهب الذي يعد من المصادر الرئيسية للإيرادات في بوركينا فاسو، شهد تحولًا لافتًا بعد الانقلاب. عدد من رجال الأعمال الذين لهم علاقات وثيقة مع الحكومة الانتقالية حصلوا على امتيازات في مشاريع استخراج الذهب.
إلى جانب قطاع التعدين، يسود الحديث عن هيمنة رجال الأعمال المقربين من النظام على مشاريع البنية التحتية الكبرى، مثل الطرق والموانئ والمطارات. هذه الشركات تستفيد من عقود ضخمة غالبًا ما توقع مقابل دفع رشاوي وهبات، مما فاقم من ظاهرة الفساد وساهم في تعزيز احتكار السوق.
عدد من رؤساء الشركات لهم أدوار مزدوجة، حيث يعملون على تمويل الحملات السياسية للنخب الحاكمة ويدعمون حتى الجيش لوجستياً لتنفيذ عمليات تأمين المساعدات الدولية التي تذهب إلى مشاريع لا تتمتع بالرقابة الكافية.
دور المستشارين الصينيين:
فيما يرتبط بالعلاقات الدولية، تظل الصين أحد اللاعبين الرئيسيين في إفريقيا، وخصوصًا في بوركينا فاسو حيث كان لها تأثير متزايد في السنوات الأخيرة. بعد انقلاب 2022، بدأت الصين في تعزيز علاقاتها مع بوركينا فاسو، مستفيدة من الفراغ السياسي في الدولة خاصة بعد تراجع النفوذ الفرنسي.
المستشارون الصينيون لعبوا دورًا مهمًا في هذا التعاون، حيث يوجهون استثمارات ضخمة إلى قطاعات مثل التعدين والبنية التحتية. شركات صينية عدة أبرمت صفقات في بوركينافاسو ضمنت من خلالها الوصول إلى موارد استراتيجية، خاصة المعادن الثمينة مثل الذهب. هذا التعاون لا يقتصر فقط على بناء المشاريع بل يمتد أيضًا إلى تدريب الكوادر الفنية في القطاعات الأساسية.
العلاقة بين رجال الأعمال المحليين والمستشارين الصينيين أدت إلى نوع من “الاحتكار المشترك”. الشركات الصينية توفر الدعم التقني والمالي بينما يحصل رجال الأعمال المحليين على المناقصات والامتيازات التجارية. وفي مقابل ذلك، تعزز الصين مكانتها في بوركينا فاسو، مما يضمن لها وصولاً غير محدود إلى الموارد الطبيعية في المنطقة.
من الأمثلة البارزة على هذا التعاون هو المشروع العملاق لبناء السكك الحديدية والطرق السريعة التي تهدف إلى ربط بوركينافاسو بالدول المجاورة. هذه المشاريع تشهد استثمارات صينية كبيرة، بينما يضمن رجال الأعمال المحليين الحصول على جزء من هذه المشاريع من خلال شراكات مع الشركات الصينية، مما يعزز من احتكارهم للاقتصاد المحلي.
احتكار الاقتصاد من قبل قلة من رجال الأعمال الذين يرتبطون بشكل وثيق بالسلطة السياسية العسكرية، بالإضافة إلى النفوذ الصيني المتزايد، له تأثير سلبي كبير على بوركينا فاسو على عدة أصعدة, فهذا الوضع حد بشكل كبير من التنافسية في الأسواق المحلية ومنع دخول الشركات الصغيرة والمتوسطة التي كان بإمكانها أن تساهم في تعزيز التنوع الاقتصادي.
كما أن صفقات وعقود موجهة لشركات معينة أدت إلى ارتفاع معدلات الفساد، مما أضر بالاقتصاد الوطني, فالتعاون المكثف مع بكين عمق من تبعية بوركينافاسو للاقتصاد الصيني، مما أضعف من السيادة الاقتصادية للبلاد وقيّد قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة بشأن السياسات الاقتصادية.
تداخل مصالح رجال الأعمال المحليين مع النفوذ الصيني في بوركينا فاسو، أدى إلى تركيز القوة الاقتصادية في أيدي قلة، مما أعاق تنمية اقتصادية شاملة وعادلة للبلاد. في الوقت الذي تواجه فيه بوركينافاسو تحديات اقتصادية كبيرة، تزداد المخاوف من أن يدفع تعريض الاقتصاد لاحتكار زمرة من محيط “تراوري” إلى وقوع صراعات على الحكم تترجم في شكل انقلابات عسكرية قد تكون دامية.
فالسلطة العسكرية الحالية في بوركينافاسو برزت للوجود بفعل الانقلاب الذي وقع في 30 سبتمبر 2022، عندما قام العقيد إبراهيم تراوري بالإطاحة بحكومة الرئيس روك مارك كريستيان كابوري. في هذا الانقلاب، استولى العسكريون على السلطة معلنين تشكيل حكومة انتقالية للإشراف على البلاد لحين إجراء انتخابات جديدة. وعود لم تجد طريقا نحو التجسيد ليبقى البلد تحت حكم الطوارئ إلى أجل غير مسمى وهذا في غياب إرادة للعودة إلى العمل بالديمقراطية.
منذ ذلك الحين، تشكلت حكومة جديدة بقيادة تراوري، الذي أصبح رئيسًا للمرحلة الانتقالية. وتم تبني سياسات جديدة تركز على التصدي للجماعات المسلحة التي تعصف بالبلاد. ورغم دعم الكثير من المواطنين للجيش بسبب وعده بتحقيق الأمن والاستقرار، إلا أن النظام العسكري يواجه انتقادات شديدة بشأن حقوق الإنسان، واستمرار القمع، وتزايد الانتهاكات السياسية وتعاضم الفقر والفساد.
الرئيس تبون ومعادلة الفساد والتقصير









