الرئيس تبون ومعادلة الفساد والتقصير

بالصيغة الورقية
الحدثعربي

مشروع انقلاب على السيسي..

من المعروف أن التاريخ لا يعيد نفسه بنفس الطريقة، ولكن يمكن أن يقدم بعض الدروس النافعة من خلال دراسة التجارب السابقة.

ومن خلال هذا المنظور، يمكن طرح سؤال محوري: هل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يكرر نفس الخطأ الذي وقع فيه الرئيس السابق محمد مرسي عندما تجرأ على محاولة تقليص نفوذ الجيش المصري في الاقتصاد واقتطاع مبالغ معتبرة من الميزانية المخصصة لمؤسساته؟

بناءً على المعطيات الراهنة، قد يكون هناك تطابق ملحوظ بين سياستي الرئيسين في التعامل مع النفوذ العسكري في الاقتصاد المصري، وهو ما قد يؤدي إلى تداعيات مشابهة لتلك التي أسفرت عن انقلاب 2013.

السياق السياسي: بين مرسي والسيسي

عندما تولى مرسي السلطة في عام 2012، كانت أولى خطواته في مجال الإصلاحات الاقتصادية تتضمن محاولات للحد من نفوذ الجيش في الاقتصاد. والتي قوبلت بتماسك وإلتفاف القيادة حول السيسي.

فالجيش شعر بتهديد الاخوان له عندما حاولوا  اختراق فضاءه الاقتصادي  في العديد من القطاعات الاستراتيجية مثل البنية التحتية، الطاقة، والصناعات الغذائية.

مرسي، الذي كان ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، حاول إحداث تغييرات تتماشى مع رؤيته الاقتصادية، والتي تضمنت تقليص دور الجيش في الأنشطة الاقتصادية غير العسكرية.

لكن هذه المحاولات لم تلقَ قبولًا لدى الجيش، بل أثارت استياءً كبيرًا بين قياداته التي ترى في هذا التدخل تهديدًا لمصالحها. كان رد فعل الجيش سريعًا، عندما دعّم  احتجاجات شعبية أدت إلى الإطاحة بمرسي في 3 جويليا 2013.

السيسي: نفس النهج ولكن تحت ظروف مختلفة؟

منذ وصوله إلى السلطة في 2013 بعد الانقلاب الذي أطاح بمرسي، حاول السيسي الحفاظ على استقرار الوضع العسكري في مصر وتعزيز نفوذ الجيش. ومع ذلك، لم هذا لم يسمح بإبقاء الجيش محصنًا من محاولات تقليص دوره في الاقتصاد.

ففي السنوات الأخيرة، بدأ السيسي يتخذ خطوات مماثلة لتلك التي بدأها مرسي، وذلك من خلال طرح بعض الشركات المملوكة للجيش في البورصة، كما أعلن مؤخرًا.

وفي هذا الصدد، أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي مؤخرا  أن الحكومة المصرية ستطرح حصصًا من بعض الشركات العسكرية في البورصة، في خطوة تهدف إلى زيادة مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد. من بين الشركات التي سيتم طرحها، هناك شركات محطات الوقود، شركة المياه المعبأة، وأخرى تعمل في مجالات الغذاء والبنية التحتية. هذا التوجه يتماشى مع استراتيجية خروج الدولة من بعض الأنشطة الاقتصادية لتوفير مساحة أكبر للقطاع الخاص.

ولكن هذه الخطوة قد تحمل في طياتها مخاطر كبيرة على الاستقرار السياسي في البلاد. إذا كانت نية السيسي هي تقليص دور الجيش في الاقتصاد، فقد يواجه رد فعل مشابهًا من القوات المسلحة التي قد تشعر أن هذه الخطوة تهدد مصالحها الاقتصادية وأرباحها الضخمة، خاصة إذا ما تم الاستحواذ على هذه الشركات من قبل مستثمرين أجانب، بما في ذلك الشركات الصينية.

هل يتكرر الخطأ؟

إن طرح حصص من شركات الجيش في البورصة قد يبدو خطوة نحو تعزيز الشفافية وتوسيع قاعدة الاستثمار الأجنبي، لكن في نفس الوقت يمكن أن يُنظر إليها من قبل العسكريين على أنها تهديد لامتيازاتهم الاقتصادية التي تعززت على مدار عقود.

تاريخ الجيش المصري في إدارة العديد من الأنشطة الاقتصادية جعل منه قوة اقتصادية مستقلة، ويبدو أن السيسي يتبع نفس النهج الذي بدأه مرسي في محاولاته للحد من النفوذ العسكري. إذا لم يتم معالجة هذا الملف بحذر ووفق آليات تضمن حقوق العسكريين في القطاعات التي يعملون فيها، فإن الجيش قد يرى في ذلك خطوة تهدد مصالحه الاستراتيجية.

من جهة أخرى، فإن تزايد الاستثمارات الصينية في مصر، التي تشارك في العديد من المشاريع الاستراتيجية، قد يكون له تأثير كبير على الدور الاقتصادي للجيش. الصين، بقدرتها على تمويل مشروعات ضخمة، قد تكون قادرة على استحواذ جزئي أو كلي على بعض الشركات التي كانت تابعة للجيش. هذا الاستحواذ قد يكون له تداعيات سياسية خطيرة، حيث قد يشعر العسكريون بأن مصالحهم في خطر إذا ما كانت السيطرة الاقتصادية في أيدي قوى خارجية.

يمكن الجزم أن السيسي قد اضطر بفعل الضغط الذي يولده عبء الدين وسحب دول الخليج لاستثماراتهم من مصر،  إلى اتباع النهج ذاته الذي سلكه مرسي، ولكن ضمن سياق مختلف تمامًا. فبينما يسعى السيسي إلى تقليص دور الجيش في الاقتصاد، فإنه يواجه تحديات مشابهة لتلك التي واجهها مرسي. الجيش المصري، الذي يعد واحدًا من القوى الكبرى في الاقتصاد المصري، قد يرى في هذه الخطوات تهديدًا لمكانته.

إذا استمر السيسي في محاولات تقليص هذا النفوذ دون إيجاد حلول توافقية، فإن المخاطر السياسية قد تكون جسيمة، وربما تفتح المجال لمزيد من التوترات التي قد تؤدي إلى تقويض الاستقرار الداخلي، خاصة عندما تتعارض الخطط المنتهجة مع وجود إرادة قوية لدى واشنطن لكبح انتشار الصين اقتصاديا في دول العالم، فهل ستغضب سياسات السيسي اتجاه الصين، الرئيس ترامب الساخط أيضا على التقارب المصري الفرنسي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى