
رغم الخطاب الوطني الذي يتبناه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول حماية الاقتصاد الأمريكي و”إعادة التوازن التجاري”، تتزايد المؤشرات على أن ما يجري ليس فقط تصعيداً اقتصادياً مع الصين وبقية الشركاء… بل أزمة مدروسة يستفيد منها مالياً الرئيس نفسه ومقربون منه، خصوصاً عبر أدوات المضاربة في الأسواق المالية.
قرارات ترفع الأسواق… ثم تسقطها
سلوك ترامب في الأسابيع الماضية بدا أقرب إلى إدارة أزمة مالية قصيرة المدى قابلة للاستثمار منها إلى رسم سياسة اقتصادية طويلة الأجل. فبإعلانه المفاجئ عن رفع الرسوم الجمركية على الصين، ثم التراجع عنها بشكل جزئي مع بقية الدول، حرّك الأسواق بعنف صعوداً وهبوطاً.
هذا النوع من التقلبات لا يضر جميع المستثمرين. على العكس، اللاعبون الكبار القادرون على توقع اتجاه السوق أو التأثير فيه، مثل صناديق التحوّط المرتبطة بحلفاء ترامب، يجنون أرباحاً ضخمة من هذه الصدمات، سواء عبر المراهنة على صعود الأسهم أو انهيار السندات.
صناديق التحوّط: اللاعب الخفي
الحديث يكثر عن تورّط ما يُعرف بـ”المالية غير المنظمة” (shadow banking)، وخصوصاً صناديق التحوّط التي تُراهن بمليارات الدولارات على تحركات غير طبيعية في السوق. هذه الصناديق، التي لا تخضع لإشراف فعلي، تُدار من طرف رجال أعمال مرتبطين بشكل مباشر أو غير مباشر بترامب أو بالحزب الجمهوري.
عندما يُطلق ترامب تصريحاً يُربك الأسواق، تكون هذه الصناديق أحياناً قد أخذت مواقعها مسبقاً في السوق، إما بشراء أصول ستنتعش فجأة، أو ببيع أخرى ستنهار مع التصعيد.
فالشكوك تتزايد أيضاً بشأن استغلال ترامب معلومات اقتصادية حساسة حول توقيت تصريحات رفع الرسوم الجمركية. فإذا علمنا أنها سترتفع بنسبة 10% في يوم واحد بعد تغريدة واحدة، يمكننا بسهولة تقدير حجم الأرباح التي تُجنى من “صفقات قصيرة المدى” تُنفذ على أساس هذه المعلومات.
وهذا النمط ليس جديداً. خلال ولايته الأولى، سُجّلت حالات عديدة تم فيها بيع وشراء أسهم من قِبل أفراد في محيطه قبيل تصريحات رسمية مؤثرة.
تراجع الثقة في السندات الأمريكية والدولار، الذي يبدو كارثياً من الناحية الاقتصادية، قد لا يكون كذلك بالنسبة لترامب وفريقه. فبعض الصناديق القريبة منهم ضاعفت استثماراتها مؤخراً في الذهب والعملات الأجنبية وحتى البيتكوين، أي أنهم راهنوا بشكل مسبق على انهيار الدولار.
بمعنى آخر: الرئيس ومحيطه ليسوا ضحايا للفوضى… بل المستفيد الأول منها.
لماذا لا يتحرك أحد؟
رغم كل هذه المؤشرات، لم تُفتح أي تحقيقات جدية حتى الآن. السبب؟ ترامب لا يزال يتحكم في أجهزة الرقابة، ويستفيد من الدعم السياسي من تيار واسع داخل الكونغرس.
وفي ظل هذه السيطرة، يبدو أن اللعبة ستستمر. مزيد من التصعيد، مزيد من “القرارات المفاجئة”، ومزيد من الأرباح الخفية… بينما يدفع المواطن الأمريكي، والاقتصاد العالمي، الثمن الحقيقي.
ترامب يُعلّق الرسوم الجمركية مؤقتاً… لكن أزمة الثقة تتعمّق
رغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليق الرسوم الجمركية على أكثر من 70 دولة لمدة 90 يوماً، مع استثناء الصين، فإن هذه الخطوة لم تُخفف من قلق الأسواق المالية، بل زادت من حدة الشكوك حول مستقبل الاقتصاد العالمي واستقرار النظام المالي.
في 9 أبريل، وبمجرد إعلان ترامب عن قراره، شهدت الأسواق المالية ارتفاعاً مفاجئاً. مؤشرات البورصة قفزت بشكل مباشر، غير أن هذا الانتعاش لم يدم طويلاً، إذ عادت المخاوف لتفرض نفسها من جديد.
فالتقلبات الحادة، والانخفاض السريع في الدولار، وارتفاع العائدات على السندات الأمريكية، كشفت أن حالة عدم اليقين لا تزال مسيطرة.
كما قال أحد الخبراء الاستراتيجيين في شركة “روبيكو”: “الضرر وقع فعلاً… ولا يمكن تصحيحه بتصريح واحد”.
استمرار التصعيد مع الصين
فيما يتعلق بالصين، لم تشملها قرارات التعليق، بل على العكس من ذلك فقد تم رفع الرسوم الجمركية المفروضة على وارداتها من 104% إلى 125%. ويبدو أن الإدارة الأمريكية تسير في اتجاه تصعيد المواجهة الاقتصادية مع بكين، بينما تتخذ مواقف متذبذبة مع بقية الشركاء التجاريين، كما حدث سابقاً مع كندا والمكسيك.
هذه التقلبات تؤكد ما وصفه المراقبون بـ”اللاعقلانية الأمريكية”، وتُضعف الثقة في قيادة واشنطن للاقتصاد العالمي. فالدولار والسندات الأمريكية، التي لطالما شكّلت قاعدة الاستقرار العالمي، لم تعد تُعتبر ملاذاً آمناً بنفس الثقة السابقة.
سندات الخزانة تفقد بريقها
على عكس ما هو معتاد في فترات الاضطراب، لم يتجه المستثمرون إلى سندات الخزانة الأمريكية. بل شهدت هذه السندات موجة بيع، مما أدى إلى ارتفاع مفاجئ في العوائد، قفزت الفائدة على السندات لأجل عشر سنوات من 3.99% إلى 4.34% خلال أيام معدودة.
السؤال الذي بدأ يُطرح بجدية: هل بدأت الولايات المتحدة تفقد “الامتياز الأسطوري” الذي يمنحه لها الدولار في النظام المالي العالمي؟ وهل ترامب يسعى فعلا لإضعاف سيطرة الدولار لتعويضه بعملة أخرى يكون محيطه من صانعيها؟
مع تزعزع الثقة في الدولار والسندات الأمريكية، اتجه المستثمرون إلى خيارات بديلة: الذهب، اليورو، الين الياباني، الفرنك السويسري وحتى السندات الألمانية أصبحت تُرى كملاذات أكثر أماناً.
القلق الأكبر الآن يتمثل في التخلّي عن السندات الأمريكية طويلة الأجل، والتي تحتفظ بها البنوك المركزية وشركات التأمين وصناديق التقاعد. تخلي هذه المؤسسات الكبرى عنها هو رسالة واضحة: الثقة تتآكل.
الصين تتحرّك… واليابان تراقب
الصين، التي تملك ما يقارب 700 مليار دولار من الدين الأمريكي، كانت سبّاقة إلى خفض احتياطاتها تدريجياً. لكن يبدو أنها قررت الرد على رفع الرسوم الجمركية بإجراءات أقسى، من بينها تجميد التحويلات إلى الدولار.
ورغم أن اليابان لم تُظهر نية لاستخدام سنداتها الأمريكية كورقة ضغط، إلا أنها بدورها بدأت في بيع جزء من ممتلكاتها. وهناك من يعتقد أن هذه العمليات جزء من تحوّل أعمق في موقف حلفاء واشنطن التقليديين.
ترامب، في سعيه لفرض هيمنة تجارية، قد يكون وضع الأسس لأزمة مالية عالمية جديدة. فهو يتجاهل أن الأسواق لا تنسى، وأن الدول التي تموّل العجز الأمريكي لن تقبل بالإملاءات. ما يحدث اليوم ليس مجرد توتر ظرفي، بل بداية لتحوّل استراتيجي في موازين القوة الاقتصادية.
الرئيس تبون ومعادلة الفساد والتقصير









