
مع إشراقة صباح الجمعة، دخلت مصر مرحلة جديدة من برنامجها الاقتصادي الصارم، حيث فوجئ المواطنون بزيادة حادة في أسعار الوقود، شملت البنزين والسولار واسطوانات الغاز، في خطوة وصفتها الحكومة بـ”الضرورية”، لكنها قوبلت بسخط شعبي واضح. الزيادة، التي دخلت حيز التنفيذ بدءًا من الساعة السادسة صباحًا، جاءت تنفيذًا لما تنص عليه اتفاقية مصر مع صندوق النقد الدولي، والتي ترتبط بقروض جديدة تصل إلى ثمانية مليارات دولار.
الأسعار الجديدة حملت زيادات غير مسبوقة. البنزين بنوعيه 92 و80 ارتفع سعرهما بما يقارب ستة جنيهات للتر الواحد، في حين تجاوزت زيادة سعر المازوت سبعة جنيهات، وهو ما يشكل عبئًا مباشرًا على قطاعات النقل والإنتاج. حتى أسطوانات الغاز، سواء المنزلية أو التجارية، شهدت قفزة تجاوزت الستين بالمائة. ورغم أن الحكومة حاولت طمأنة الرأي العام بالتأكيد على أن هذه الخطوة تأتي ضمن خطة طويلة الأمد لتحرير الأسعار وضبط السوق، وأن لا ارتفاعات جديدة خلال السداسي القادم, إلا أن وقعها الاقتصادي والمعيشي كان واضحًا منذ الساعات الأولى.
خلف هذه الزيادات تقف توصيات صارمة من صندوق النقد الدولي، تمثل شروطًا أساسية لصرف القروض الجديدة. ويبدو أن الحكومة المصرية لم تجد خيارًا آخر سوى الانخراط الكامل في سياسات الصندوق، التي تركز على إزالة الدعم تدريجيًا، تحرير سعر صرف الجنيه، وفتح المجال أمام القطاع الخاص على حساب تراجع دور الدولة. الصندوق يطالب بتطبيق آلية تسعير تلقائي للوقود كل ثلاثة أشهر، وربط الأسعار المحلية بالأسعار العالمية، مع تقليص الدعم على الطاقة تدريجيًا حتى إلغائه بالكامل.
كما تنص التوصيات على ضرورة رفع أسعار الفائدة لمحاصرة التضخم، وإعادة هيكلة المالية العامة من خلال تحسين الإيرادات الضريبية وتوسيع القاعدة الضريبية، مع تشجيع الاستثمار الأجنبي وتقليص البيروقراطية. وفي مقابل هذه الإجراءات الصارمة، يشترط الصندوق توسيع برامج الحماية الاجتماعية, بغرض امتصاص جزء من الصدمة على الشرائح الفقيرة والمتوسطة.
الشارع المصري، الذي لم يتعافَ بعد من تبعات تعويم الجنيه وتقلص الدعم على الكهرباء، يترقب تداعيات هذه الزيادات بقلق. التجار بدأوا منذ الصباح الحديث عن تعديل الأسعار، وسائقو النقل العام يتداولون فيما بينهم قرارات مرتقبة بشأن رفع التعريفة. المواطن العادي، من جانبه، يجد نفسه بين مطرقة الغلاء وسندان السياسات النقدية، دون مؤشرات واضحة على موعد لانفراج الأزمة.
اقتصاديًا، تتجه التوقعات نحو موجة تضخمية جديدة ستلقي بظلالها على أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية. ومع ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، يرجح مراقبون أن يتسع نطاق الفقر ليشمل شرائح كانت حتى وقت قريب تُصنف ضمن الطبقة المتوسطة. أما سياسيًا، فإن الحكومة تواجه معضلة الحفاظ على الاستقرار في ظل هذه الإجراءات، خاصة مع تصاعد التذمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتحذيرات من احتمال انفجار الغضب الشعبي في حال لم تُقابل الإجراءات التقشفية بسياسات حماية كافية.
وسط كل ذلك، تبرز معادلة دقيقة أمام صانع القرار المصري: تنفيذ التزامات صندوق النقد وتطمين الأسواق من جهة، واحتواء الشارع المصري من جهة أخرى. فهل تنجح الحكومة في تجاوز هذا المنعطف دون أن تدفع كلفة اجتماعية مرتفعة؟ أم أن القادم سيحمل مفاجآت غير محسوبة في بلد اعتاد أن يسير دومًا على الحافة؟










