اللواء مجاهد يكشف حقيقة اسقاط الطائرة المسيّرة التركية
كشف مدير مركز الدراسات الاستراتيجية, معلومات مهمة وحساسة, تكشف أن نشاط الطائرة المسيرة كان من المفروض أن يكون بالتنسيق مع اللجنة المشتركة للأركان العملياتية لدول الساحل, وهو الذي لم يحدث في خرق واضح لكل الاتفاقيات الموقعة بين الجزائر ودول الساحل.

شهد الجنوب الجزائري حادثة مقلقة تمثلت في إسقاط طائرة مسيّرة اخترقت الأجواء الوطنية، في وقت تتزايد فيه التوترات الإقليمية، خصوصاً على الحدود الجزائرية-المالية. وفي هذا السياق، قدّم اللواء المتقاعد عبد العزيز مجاهد، المدير العام للمعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية الشاملة، قراءة معمقة في أبعاد هذه الحادثة وتداعياتها الإقليمية والدولية في حوار أجرته معه القناة الإذاعية الجزائرية الثالثة الناطقة بالفرنسية.
يشير اللواء مجاهد إلى أن ما وقع يُعدّ انتهاكًا واضحًا للمبادئ الأساسية التي يقوم عليها “السيموك” (اللجنة المشتركة للأركان العملياتية لدول الساحل). هذه الهيئة، التي تضم الجزائر ومالي وموريتانيا والنيجر، والتي أنشئت بهدف تنسيق الجهود الأمنية والعسكرية عبر الحدود. ومع ذلك، فإن عدم إخطار مالي لبقية الأعضاء بشأن تحرك طائرة مسيّرة على مقربة من الأراضي الجزائرية يُعد خللاً جسيماً، خصوصًا وأن العمليات الجوية الليلية تُصعّب من التمييز بين الطائرات الصديقة والمعادية.
الحادث الأخير لا يُعدّ الأول من نوعه. فقد شهدت الشهور الماضية ثلاث خروقات من الجانب المالي للأجواء الجزائرية، ما يثير تساؤلات جدية حول نوايا الطرف المالي ومن يقف وراء هذه العمليات. الطائرة المسيّرة دخلت المجال الجوي الجزائري ثم غادرته لتعود مجددًا في مناورة هجومية، وهو ما اعتُبر تصعيدًا غير مبرر، لا يمكن تفسيره سوى بأنه عمل عدائي أو أنه يجري تنفيذه من طرف ثالث يتخذ من الأراضي المالية قاعدة له.
في سياق تحليله، يشير اللواء مجاهد إلى وجود محاولات لدفع مالي إلى التصعيد مع الجزائر، بتشجيع من قوى إقليمية, ويستشهد بتصريحات ممثل المغرب في الأمم المتحدة التي اتهم فيها الجزائر برعاية الإرهاب، معتبراً أن هذا الخطاب يندرج ضمن محاولات تزييف التاريخ وتبييض الأدوار المشبوهة لدول دعّمت الاحتلال والأنظمة العنصرية سابقًا.
أما إسقاط الطائرة التركية الهجومية، فرأى فيه اللواء مجاهد رسالة ردع حازمة مفادها أن الجزائر تملك الوسائل التكنولوجية والقرار السيادي للدفاع عن أمنها، وهو ما ينسجم مع موقفها التاريخي الداعي إلى النظام الدولي العادل والمبني على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها.
لفت اللواء الانتباه إلى الهجوم المروّع الذي نفذته طائرة مسيّرة مالية في 27 أوت، وراح ضحيته 21 مدنيًا بينهم 11 طفلاً. واعتبر أن هذا النوع من العمليات لا يمكن تبريره بأي شكل، مشيرًا إلى أن من يستهدف المدنيين يُفقد شرعية أي مشروع سياسي. وأكد أن الجزائر لا تتوانى في الدفاع عن الإنسان والكرامة، سواء في الجنوب أو في غزة، مستشهداً بالمقاومة الفلسطينية كدليل على أن الإرادة تفوق القوة المادية.
واختتم اللواء مداخلته بالتأكيد على أن الحدود في الجنوب ليست فقط خطوطاً جغرافية، بل تمثل واقعًا بشريًا معقدًا. فالسكان في هذه المناطق يعيشون في فضاء قبلي متنقل لا يعترف بالحدود المصطنعة. لذا، فإن محاولة فرض واقع عسكري في هذه الجغرافيا الحساسة لا يمكن أن يؤدي إلا إلى مزيد من التأزيم.
تصريحات اللواء عبد العزيز مجاهد تعكس يقظة استراتيجية جزائرية إزاء ما يُحاك في منطقة الساحل، حيث تختلط المبادرات العسكرية بمشاريع خارجية تستهدف تفتيت الجبهة الداخلية لدول المنطقة. الجزائر، تتمسك بمبادئ السيادة، التنسيق الجماعي، واحترام الإنسان، وتدعو إلى تضامن إفريقي جديد قادر على مواجهة التحديات بأدوات فكرية وسياسية وأمنية مستقلة.
نص الحوار كاملا
الصحفية: معنا على الخط السيد عبد العزيز مجاهد، لواء متقاعد ومدير عام المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية الشاملة. سيد مجاهد، شكرًا لوجودك معنا ولموافقتك على دعوتنا للإجابة عن أسئلتنا. سيد عبد العزيز مجاهد، ماذا يشير هذا الحادث في الجنوب الجزائري؟
اللواء عبد العزيز مجاهد: سيدتي، هذه الحادثة تندرج في إطار المسؤوليات المنوطة بالـ “سيموك” – وهي هيئة التنسيق بين هيئات الأركان العملياتية لدول الساحل، والتي يفترض أن تنسق جميع تحركاتها. الـ “سيموك” مكلف بإبلاغ وتنبيه وضمان تنسيق الأعمال المشتركة. كيف لم يخبر ممثل مالي, وهو عضو في الـ “سيموك”, باقي الأعضاء بهذه العملية؟ إن لم يتم الإبلاغ، فهذا قد يكون عنصراً غريبًا عن المنطقة. لا ننسى أن الطائرات المسيّرة تمتلك قدرة على التحرك آلاف الكيلومترات. ليست المرة الأولى التي يحدث فيها أمر كهذا.
الجزائر، من خلال ممثليها في “السيموك”، قد نبهت جميع الأطراف إلى حساسية المسألة. ولا ننسى التوقيت: في منتصف الليل، كيف يمكن التعرف على طائرة مسيّرة تحمل شارة دولة معينة في هذا الظلام؟ ما تم رصده هو جسم معادٍ مجهول الهوية، وكان لزامًا اتخاذ إجراء لإسقاطه.
وللتوضيح للمستمعين، الـ “سيموك” هو اللجنة المشتركة للأركان العملياتية.
سيد عبد العزيز، هذه ليست أول خرق للطائرة المالية للمجال الجوي الجزائري، بل الثالث خلال بضعة أشهر. ما معنى ذلك بالتحديد؟
إنه خرق واضح. عندما تكون عضوًا في لجنة كهذه، فمن واجبك تبادل المعلومات. إن لم تفعل، فتصرفك يُعتبر عدائيًا.
الطائرة دخلت الأراضي الجزائرية، ثم غادرت إلى مالي، ثم عادت بشكل هجومي. هذا ما تم الإبلاغ عنه. ما جرى هو فقط الجزء الظاهر من جبل الجليد. الجزء الخفي لا يعرفه سوى المسؤولون والمتخصصون. وهؤلاء فقط من يقدرون، عند الضرورة، الكشف عن ما ينبغي كشفه.
ولكنني أُصر, الغرض من اللجنة المشتركة هو التنسيق. وإلا فما جدواها؟ يجب أن يتحمل كل طرف مسؤوليته. نحن في منطقة حساسة. في الساحل هناك 22 دولة تتدخل، من بينها الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، والعديد من دول البريكس، و19 دولة عضو في الناتو.
كيف يمكن، وسط هذا التعقيد، أن نتصرف بشكل فردي دون تنسيق مشترك؟ لا بد أن نسأل: كيف يعقل أن تستمر أزمة الساحل منذ أكثر من 50 سنة؟ هناك دبلوماسية تواطؤ، تواطؤ صريح، تداخل مصالح. في هذا السياق، تبنّت الجزائر مواقف متماشية مع القانون والاتفاقيات المشتركة. هل الهدف هو دفع مالي وحلفائها لخلق أزمة مع الجزائر؟
نعم، خاصة إذا ما سمعنا اتهامات ممثل المغرب في الأمم المتحدة بأن الجزائر راعية للإرهاب. هذا يثير التساؤلات.
كيف يمكن تصديق ممثل دولة طلبت الحماية الفرنسية ولم تتعرض للغزو مثل باقي الدول الإفريقية؟ بل إنها في الثمانينيات طلبت الانضمام للاتحاد الأوروبي. هناك تزوير للحقائق وتزييف للمواقف.
علينا التذكير بتاريخ إفريقيا: ماسينيسا، يوغرطة، نكروما، فرانتز فانون، محمد الصديق يحيا… كلهم ناضلوا من أجل تحرر القارة. الجزائر عضو مؤسس في أول منظمة إفريقية سنة 1963، وهي جزء من هوية الجزائر.
وفي يناير الماضي، انسحبت مالي والنيجر وبوركينا فاسو من المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا. كيف يمكن التحرك الآن؟
سيدتي، بوركينا فاسو هي أرض توماس سانكارا. مالي هي بلد موديبو كيتا. هؤلاء هم رجال إفريقيا الذين واصلوا درب الأجداد. الآن يجب أن نبحث عن نخب الساحل، فهم من سيواصل الطريق.
يجب على الإعلام تسليط الضوء على الرجال الأحرار في هذه القارة. وعلى القوى الكبرى أن تحترم المبادئ التي قامت عليها الإنسانية، من مبدأ ويلسون إلى مبدأ ستيمسون سنة 1932، وكلاهما يدعو إلى احترام وحدة الأراضي والاستقلال السياسي.
عليهم أن يقتدوا بتجربة التعاون الفضائي، وأن يُطبِّقوها في الساحل: إما أن يعملوا من أجل خير المنطقة، أو ينسحبوا.
منذ نصف قرن، دعت الجزائر لنظام عالمي جديد أكثر عدلاً. وعلى أعضاء مجلس الأمن والبريكس أن يكونوا في مستوى مسؤولياتهم.
بالنسبة للقوى الكبرى، إلى أي مدى فاقمت تدخلاتها الأزمة في الساحل؟
المشكلة أن الوضع غير واضح. نتحدث عن الإرهاب، لكن من يقف وراءه؟ من يموله؟ الأمم المتحدة تعرف من هو أكبر منتج للمخدرات في المنطقة. يجب على الهيئات الدولية أن تتحمل مسؤولياتها. لهذا قلت: يجب وقف دبلوماسية التواطؤ.
على نخب المنطقة والمثقفين أن يرتقوا لمستوى المهام التاريخية.
ممثل المغرب الذي يتهم الجزائر، بلاده هي الممول الأول للمخدرات في المنطقة، وهذه المخدرات هي التي تغذي الإرهاب. لا يمكننا التغاضي عن هذه الحقائق.
نفس الأمر يحدث في غزة: العالم يرى مجازر يومية، ويريد البعض أن يُغرق المنطقة في مستنقع.
هجوم 27 أوت المالي عبر طائرات مسيّرة، قُتل فيه 21 مدنيًا بينهم 11 طفلًا. هل هذا هو الخرق الذي لا يمكن التغاضي عنه؟
سيدتي، البعض ينسى أن الأمر يتعلق بالبشر. هناك كرامة يجب حمايتها. من يهاجم المدنيين؟ ما الغاية؟ لدينا الوسائل للتواصل. لماذا يُختار الخيار العسكري؟ هل جُرِّبت كل الطرق؟ إن كانت هناك أزمة سياسية في مالي، فالحل سياسي، لا عسكري.
أما عن تدمير الطائرة التركية الهجومية، هل كان ذلك رسالة؟
في هذا العالم، لا وجود لسلاح مطلق. المسألة مسألة إرادة. غزة أو حزب الله قادرون على مواجهة أي قوة إذا توفرت الإرادة والإيمان بالقضية. الولايات المتحدة استخدمت كل الوسائل منذ 1945… في كوريا، فيتنام، أفغانستان، العراق، سوريا، ليبيا… ما الذي حققته؟ القوة ليست دائمًا مادية. القوة الحقيقية هي الإنسان.
وبخصوص الحديث عن تطبيع محتمل بين مالي والكيان الصهيوني؟
نعم، هناك توجه نحو تطبيع العلاقات، ولكن القوى التي رسمت هذه السياسات هي نفسها. فرنسا، المغرب، إسرائيل… كلهم الآن في المغرب. فرنسا التي طُردت من إفريقيا، تحاول العودة عبر المغرب، مدعومة بإسرائيل.
تاريخيًا، المغرب استخدم أسلحة من جنوب إفريقيا العنصرية ومن إسرائيل لاحتلال الصحراء الغربية سنة 1975. لا شيء جديد. نفس اللاعبين، فقط بأقنعة مكشوفة هذه المرة.
أمام تحديات كبرى، كحدود بطول 1360 كلم بين الجزائر ومالي، والتي لم تُرسم بدقة، كيف نتعامل مع الوضع؟
هناك جغرافيا سياسية وجغرافيا بشرية. لا يمكن فصل سكان المنطقة. هم قبائل بدوية تتحرك، ولا يمكن إجبارهم على التوطن. بالنسبة لهم، الحدود مجرد خط مرسوم. ونحن لا نواجه هذا فقط في الجنوب، بل أيضًا مع موريتانيا وغيرها.
بعد الاستقلال، الجزائر تبنت سياسة حسن الجوار. أنشأنا معارض في الجنوب، مهرجانات كانت تخدم شعوب المنطقة. المغار كان يضم أفرادًا يحملون خمس بطاقات هوية دون مشاكل. كنا نعيش في تناغم.
لذا، حين تهاجم مالي مدنيين بالطائرات المسيّرة، فهي تهاجم الإنسانية.
شكراً لك سيد عبد العزيز مجاهد، اللواء المتقاعد ومدير المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية الشاملة، على وقتك.
الشكر لي، وأدعو الله أن يمنحكم القوة لمواصلة تنوير الرأي العام، إن شاء الله.
الرئيس تبون ومعادلة الفساد والتقصير









