
في خطابه أمام مجلس الأمن بتاريخ 14 أبريل 2025، اختار المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية، ستافان دي ميستورا، تجنّب إعادة طرح مقترحه السابق الذي دعا إلى تقسيم إقليم الصحراء الغربية, والذي كان قد عرضه في أكتوبر 2024 وقوبل برفض قاطع من المغرب.
دي ميستورا لم يتبنّ خيار التقسيم هذه المرة، لكنه شدد على ضرورة أن يكون الحكم الذاتي المغربي “جاداً”، داعياً إلى توضيح تفصيلي للمبادرة التي قدمتها الرباط سنة 2007، وتحديداً في ما يخص الصلاحيات الممنوحة للكيان المحلي في الصحراء الغربية. هذا الموقف لا يخلو من الرسائل الضمنية: إن لم يكن التقسيم وارداً، فلا بد من وجود صيغة متقدمة من اللامركزية الفعلية، توحي بـ”استقلال حقيقي” وإن كان داخل السيادة المغربية.
الحكم الذاتي كاختبار داخلي: هل المغرب مستعد لتطبيقه على نفسه؟
أمام هذه المطالب، يواجه المغرب سؤالاً محرجاً: كيف يمكن إقناع المجتمع الدولي بجدية نموذج الحكم الذاتي في الصحراء إذا لم يُطبّق أو يُختبر داخل باقي أقاليم التراب المغربي؟
فمبادرة الرباط تُقدّم كحل نهائي للنزاع، لكنها لا تجد لها مرآة داخلية، ما يُضعف صدقيتها في أعين الكثيرين. فحتى نموذج “الجهوية المتقدمة” المعتمد منذ سنوات، ما يزال دون صلاحيات تنفيذية حقيقية، وتحت سيطرة المركزية.
يبدوا أن دي ميستورا يضغط بشكل غير مباشر على المغرب لتحديث بنيته السياسية والإدارية، عبر إقرار نموذج حكم ذاتي أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ. وهذا لا يعني فقط تقديم تنازلات في الصحراء، بل أيضاً مراجعة مركزية الحكم، وتمكين الجهات الأخرى داخل المملكة من صلاحيات حقيقية.
بين الهواجس والسيادة: مأزق مغربي معقّد
لكن هذا المسار ليس سهلاً. فالمغرب يظل حذراً من تعميم نموذج الحكم الذاتي، لعدة أسباب, منها الهاجس الأمني، خاصة في مناطق مثل الريف، حيث توجد حساسيات تاريخية ومطالب جهوية. كما يتخوف المغرب من خلق سابقة دستورية قد تدفع مناطق أخرى للمطالبة بمزيد من الاستقلالية, وهو ما يهدد بتشتيت وحدة القرار والسيادة.
في هذا السياق، يمكن أن يُفهم أن الرباط قد تختار طريقاً وسطاً: تعزيز الجهوية وتقديم الصحراء كاستثناء مبرر، دون الوصول إلى نموذج فيدرالي صريح. غير أن هذه المقاربة قد لا تقنع الأمم المتحدة، ولا دي ميستورا، الذي يبدو واضحاً في مطالبته بـ”استقلال داخلي فعلي” للمنطقة.
وأكد الوسيط الاممي دي ميستورا بأن الأشهر الثلاثة المقبلة ستكون حاسمة من أجل تحقيق خفض في التصعيد الإقليمي، ومن جهة أخرى، الشروع في تفعيل خارطة طريق فعالة نحو تسوية النزاع المستمر منذ عقود.
خطاب دي ميستورا لم يكن مجرد محاولة لإعادة تحريك الملف، بل جاء كرسالة دبلوماسية واضحة: المبادرات السياسية لا تُقاس بالوعود، بل بما يُطبق على الأرض.
وإذا أراد المغرب الحفاظ على مبادرته كخيار قابل للحياة، فقد يجد نفسه مضطراً ليس فقط للدفاع عنها، بل لتبنيها كنموذج حوكمة داخلي، يبدأ من الصحراء… وقد يمتد منها.
الرئيس تبون ومعادلة الفساد والتقصير









