
رغم أن الإعلان الأميركي عن صفقة تزويد المغرب بـ 600 صاروخ ستينغر FIM-92K بدا في ظاهره تطوراً عسكرياً دفاعياً عاديّاً، إلا أن المتأمل في طبيعة هذه الصواريخ وتاريخ استخدامها وسياق العلاقات المغربية الجزائرية يدرك أن الصفقة تحمل دلالات أبعد من مجرد تعزيز للدفاعات الجوية.
فالستينغر ليس مجرد سلاح مضاد للطائرات، بل هو أداة توازن غير متكافئ، سبق وأن قلب معادلات كبرى، من أفغانستان إلى أوكرانيا. اقتناؤه بكميات ضخمة في هذا التوقيت يُفهم لدى بعض المحللين على أنه رسالة أمنية صامتة موجهة نحو الجزائر، تتجاوز مفهوم الردع الكلاسيكي إلى تهديد بنقل الصراع إلى العمق الداخلي.
في العقيدة العسكرية المغربية، لا تشكل منظومات الدفاع الجوي المحمولة عنصراً حاسماً في أي مواجهة تقليدية مع الجزائر، التي تمتلك سلاح جو متقدّم ومدمر ومدعّم بمنظومات روسية من الطراز المتوسط والبعيد. غير أن المغرب يبدو وكأنه يستثمر في “التكتيك غير المتكافئ”، أي خلق تهديد نفسي وميداني في جبهات لا تتوقعها الجزائر، وعلى رأسها الأمن الجوي الداخلي.
فصواريخ الستينغر، بحجمها الصغير، وسهولة استخدامها، وعدم حاجتها إلى منصات معقّدة، تجعلها من تهريبها عبر الحدود عملية واردة جدا، خاصة عبر مناطق الجنوب التي تعرف هشاشة أمنية نسبية وتعقيداً جغرافياً شديداً.
لا يستبعد البعض أن يكون جزء من الرهان المغربي على هذه الصفقة هو القدرة على تسريب هذه الصواريخ إلى فاعلين في محيط الجزائر الجنوبي أو حتى داخل حدودها، ما يخلق واقعاً جديداً يهدد التفوق الجوي الجزائري حتى في عمقه الجغرافي. إن إدخال صاروخ واحد من هذا النوع إلى ولاية تمنراست أو أدرار أو حتى إلى منطقة صحراوية غير مأهولة على سبيل المثال قد يكون كفيلاً بإرباك الأجهزة الأمنية الجزائرية ودفعها إلى تشديد الرقابة الجوية الداخلية، وتحويل جزء من تركيزها بعيداً عن الجبهات الخارجية.
هذا التلويح غير المباشر باستخدام “السلاح داخل الساحة الداخلية” يخفي تهديداً استراتيجياً شديد الحساسية، خصوصاً إذا ما تم توريط أطراف ثالثة في تنفيذه. المغرب يكفيه أن يستفيد من تواجد جماعات مسلحة، أو خلايا ارهابية متشددة، أو حتى عناصر قبلية قابلة للتوظيف في إطار صراعات الهويات والهامش الحدودي، لزرع بذور التهديد الجوي الداخلي. في حالة نجاح مثل هذا السيناريو، فإن الرسالة ستكون واضحة للجزائر: وهو تهديد العمق الجغرافي وهو العنصر الذي تعوّل عليه الجزائر في حال حدوث صراع مع طرف خارجي.
المفارقة أن الستينغر الذي غيّر مجرى الحرب في أفغانستان قد يُوظف اليوم ليس لقلب موازين مواجهة عسكرية مباشرة، بل لخلق حالة من الرعب الاستراتيجي الداخلي في بلد بحجم الجزائر كان من المفروض أن يكون عمقه الجغرافي أحد أهم أسباب وعوامل صموده.
لعلها المرة الأولى التي يجد فيها الستينغر نفسه مجرد أداة وعنصراً في لعبة توازن بين قوتين إقليميتين، إحداها محرومة من عمق جغرافي التي تحاول إضعاف خصومها من خلال إرباكهم داخليا والأمر ليس مرتبط فقط بالجزائر, بل أن تهديد ستينغر يمتد إلى كل دول الحوض المتوسط وفي مقدمتها إسبانيا.










أمر صحيح