الرئيس تبون ومعادلة الفساد والتقصير

بالصيغة الورقية
الحدثدولي

البنتاغون يدق ناقوس الخطر: الصين تنتصر اقتصادياً

في تطور خطير يعكس التحول المتسارع في موازين القوة العالمية، كشفت تمارين سرية أجراها البنتاغون أن الولايات المتحدة تخسر بشكل منهجي أمام الصين في سيناريوهات محاكاة لحرب اقتصادية شاملة.

التقرير الذي نشره الصحفي إيريك وينر في بلومبرغ أمس  18 أبريل، نقل عن مصادر مطلعة قولها إن الصين أثبتت قدرتها على إضعاف المنظومة المالية الأمريكية من الداخل، وإخضاع واشنطن لأجندتها الاقتصادية من دون إطلاق رصاصة واحدة.

“الصين تملك سلاحاً لا تملكه أي دولة أخرى”، هكذا لخّص وينر طبيعة التهديد الذي كشفت عنه المحاكاة. الصين، بحسب التمارين، استخدمت أدوات مالية استراتيجية مثل التلاعب بسوق السندات الأمريكية، شن هجمات منسقة على الدولار بصفته عملة الاحتياط العالمية، والتلاعب بأسواق المال بشكل يخلق أزمات مزمنة داخل الاقتصاد الأمريكي.

بلومبرغ نقلت عن مسؤولين في البنتاغون أن السيناريوهات أظهرت كيف يمكن لبكين أن تُنهك وزارة الخزانة الأمريكية وتضرب ثقة الأسواق بالدولار، مستغلة ما تملكه من احتياطات نقدية هائلة تتجاوز 3 تريليونات دولار، إضافة إلى أكثر من تريليون دولار من سندات الخزينة الأمريكية.

“الأمر لم يعد نظرية… نحن نقترب من هذا السيناريو فعلاً”، يقول وينر، مضيفاً أن النتائج أدت إلى حالة من القلق داخل المؤسسات الفيدرالية الأمريكية، خصوصاً في ظل هشاشة الوضع المالي الداخلي وتباطؤ النمو.

في هذا السياق، جاءت خطوة إدارة ترامب في 17 أبريل بفرض رسوم جمركية على السفن الصينية التي ترسو في الموانئ الأمريكية، كجزء من خطة لإحياء الصناعة البحرية الوطنية. إلا أن رويترز أشارت إلى أن الرد الصيني كان سريعاً، مع تهديدات بفرض رسوم مقابلة، ما يفتح الباب أمام جولة جديدة من التصعيد التجاري.

ووفقاً لـ وول ستريت جورنال، فإن بكين تملك ورقة ضغط حساسة تتمثل في توظيف حيازتها لجزء كبير من السندات الأمريكية، وهي خطوة من شأنها أن ترفع معدلات الفائدة وتُشعل أزمة سيولة في الأسواق الأمريكية.

من جهة أخرى، تواصل الصين استراتيجيتها طويلة المدى لفك ارتباطها بالاقتصاد الأمريكي. فقد خفّضت وارداتها من المنتجات الأمريكية بنسبة 15% خلال عام 2024، حسب ما ذكرته بلومبرغ، بالتوازي مع توسيع شراكاتها التجارية مع أوروبا ودول جنوب شرق آسيا. هذه المقاربة لا تعكس فقط قراراً تجارياً، بل تشير إلى إعادة تموضع استراتيجي هدفه كسر هيمنة الدولار على حركة التجارة الدولية.

وهو ما تؤكده أيضاً فايننشال تايمز، التي أشارت إلى تسارع جهود بكين في تطوير نظم مالية موازية، أبرزها تعميم استخدام اليوان الرقمي في التبادلات الدولية. هذا التحول بدأ ينعكس على المشهد النقدي العالمي، إذ انخفضت حصة الدولار في الاحتياطات العالمية إلى 58% سنة 2024، وهو أدنى مستوى لها منذ 30 عاماً، بحسب بيانات صندوق النقد الدولي.

تحوّل جيوسياسي واقتصادي لا يمكن تجاهله

تكشف هذه المعطيات أن الحرب التجارية بين بكين وواشنطن تجاوزت البعد الجمركي لتدخل مرحلة “الاشتباك النقدي”، حيث أصبحت أسواق المال، والعملات، وسندات الدين أدوات مواجهة لا تقل خطورة عن الترسانة العسكرية. وفي الوقت الذي لا تزال فيه واشنطن متمسكة بدور الدولار كمرتكز للهيمنة، تتحرك الصين بهدوء لإعادة تشكيل قواعد اللعبة المالية على المستوى العالمي.

“إذا فقد العالم الثقة بالدولار، فسوف تخسر أمريكا أهم أسلحتها على الإطلاق”، هذا ما خلص إليه محلل في وول ستريت جورنال، محذراً من أن معركة النفوذ مع الصين قد لا تُحسم في المحيط الهادئ، بل داخل أمريكا نفسها وتحديدا في أسواقها للسندات والبنوك المركزية.

هل تسعى واشنطن لمواجهة الصين أم لإعادة صياغة النظام النقدي العالمي؟

في ظل التصعيد الاقتصادي المتزايد بين الولايات المتحدة والصين، يبرز تساؤل جوهري: هل تدرك إدارة ترامب فعلاً خطورة الاشتباك مع دولة تُمسك بمفاتيح حساسة في المنظومة المالية الأمريكية؟ أم أن التصعيد مقصود ويخفي وراءه استراتيجية أخطر: تفجير الدولار من الداخل، والتمهيد لبديل رقمي أمريكي؟

التمارين التي أجراها البنتاغون، والتي أظهرت تفوقاً صينياً ساحقاً في كل سيناريوهات الحرب الاقتصادية، لم تمنع إدارة ترامب من الاستمرار في التصعيد، بل بالعكس، جاءت قراراتها بفرض رسوم جمركية جديدة على السفن الصينية وكأنها تتحدى نتائج تلك التمارين.

رويترز وصفت ذلك بأنه”تصعيد محفوف بالمخاطر”، بينما قالت بلومبرغ إن واشنطن “تلعب بالنار في مواجهة خصم يملك مفاتيح الخزينة الأمريكية”.

وفق وول ستريت جورنال، تحتفظ الصين بأكثر من تريليون دولار من السندات الأمريكية، ما يعني أن أي عملية بيع جماعي قد تُسقط الدولار وتُشعل أزمة ثقة عالمية في العملة الأمريكية. وهنا يُطرح سؤال استراتيجي: هل ترامب يغامر عن جهل؟ أم أن الرجل الذي جاء من عالم المال يُدرك تماماً ما يفعل؟

تلميحات عدة في الأوساط المحافظة في واشنطن بدأت تتحدث بصوت منخفض عن احتمال أن يكون ترامب،  ومن يدورون في فلكه، يسعون لإعادة بناء النظام النقدي الأمريكي على أسس جديدة، بعيداً عن تعقيدات الدولار الورقي المرتبط بديون ضخمة لا يمكن سدادها. وهناك حديث غير رسمي في بعض مراكز البحث الاقتصادي الأمريكي عن فكرة “العملة الرقمية الأمريكية المستقلة” (American Digital Token)، التي قد يسعى ترامب إلى تبنيها في حال نجح هذا الأخير في دفع الصين إلى تقويض الثقة بالدولار التقليدي.

في هذا السياق، تتكرر مقارنة الوضع الحالي بما حدث عام 1971، حين فاجأ الرئيس ريتشارد نيكسون العالم بفك ارتباط الدولار بالذهب. واليوم، هناك من يلمّح إلى أن ترامب قد يكرر تلك الخطوة التاريخية، ولكن هذه المرة عبر الانتقال من الدولار الورقي إلى عملة رقمية يتم التحكّم بها مركزياً، تُستخدم كسلاح سيادي جديد يُحيي هيمنة مباشرة لشركات ترامب على الاقتصاد الأمريكي.

فايننشال تايمز بدورها نبهت إلى أن الصين تتفوق على واشنطن حالياً في ميدان الرقمنة المالية، عبر مشروع اليوان الرقمي الذي يستخدم فعلياً في بعض المبادلات الدولية، وهو ما يفسر لماذا أصبحت بكين أكثر جرأة في تحدي الدولار.

الأكيد اليوم أن ترامب لا يختلف عن ماكرون الذي يدفع بفرنسا إلى الاشتباك مع قوى فاعلة في المنطقة أملا في تحقيق تصدع الجمهورية الخامسة وفسح المجال لميلاد السادسة، فترامب يدرك مخاطر  جرأته على مواجهة الصين اقتصاديا على انهيار تدريجي للدولار الورقي، وهو ما سيفسح المجال أمام “الدولار الرقمي الترامبي”. وهو ما يعكس تحولاً عميقاً في التفكير الجيو-اقتصادي داخل واشنطن، حيث لم يعد السلاح النووي هو آخر أدوات الردع، بل أصبح السلاح الرقمي المالي هو الأكثر  حسما في معارك القرن الحادي والعشرين.

سؤال آخر يحتاج لاجابة دقيقة، هل سعي البيت الأبيض لاسقاط الدولار وتعويضه بعملة ترامب الرقمية بدلا عن عملة ماسك هو سبب الخلاف غير المعلن بين الرجلين؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى