الرئيس تبون ومعادلة الفساد والتقصير

بالصيغة الورقية
الحدث

ماذا يقصد شنغريحة بقوله “توطين موجبات الأمن”؟

في كلمته الأخيرة خلال مراسم تنصيب العميد سيد أحمد بورمانة قائدًا بالنيابة للدرك الوطني، أدلى الفريق أول السعيد شنقريحة، بكلمة لافتة تجاوزت بروتوكولات التعيين، نحو بلورة رؤية استراتيجية أشمل تتعلّق بمستقبل الدولة الجزائرية، وتحديدًا في بعدها الأمني والاجتماعي.

من بين أبرز ما ورد في كلمته، دعوته إلى “توطين موجبات الأمن والاستقرار على أرض بلادنا”، وهي عبارة عميقة الدلالة، تعكس تحوّلاً نوعيًا في العقيدة الأمنية الجزائرية، من المفهوم العسكري الضيق، إلى مقاربة أوسع تتداخل فيها الأبعاد التنموية والاجتماعية والسيادية.

الأمن ليس فقط مسألة ردع… بل مشروع مجتمع

في بداية كلمته، قال الفريق أول: “إن توطين موجبات الأمن والاستقرار على أرض بلادنا، وتنميتها وتقدمها واحتلال مكانتها المستحقة بين الأمم، هي رهانات كبرى يجد حيالها كل مخلص لهذه الأرض الطاهرة، أنه مطالب ببذل كل ما لديه من قوة وجهد من أجل كسبها.”

هذا المقطع يوضح أن المقصود بالأمن ليس فقط حماية تراب الوطن من الأخطار العسكرية، بل تحقيق الشروط الضرورية للاستقرار المستدام. هنا يظهر جليًا أن شنقريحة يربط الأمن بالتنمية والتقدّم، ويضعه في قلب الطموح الوطني للجزائر بأن تصبح قوة متوازنة في محيطها الجغرافي والسياسي.

البعد الاجتماعي والثقافي للأمن

في مقطع آخر من كلمته، أشار شنقريحة إلى الجبهة الداخلية باعتبارها المستهدف الأول، قائلًا: “الجزائر ولعدة اعتبارات كانت وستبقى مستهدفة من طرف أعدائها، فهي بحكم هذا الاستهداف لا يراد لها بأن تبقى موحدة متماسكة ومتصالحة مع ذاتها، معتزة بتاريخها وموروثها الحضاري.”

بهذا التصريح، يوسّع الفريق أول دائرة التهديد ليشمل محاولات ضرب اللحمة الوطنية، والتشويش على الهوية الثقافية والتاريخية للجزائريين، وهو ما يعزز فكرة أن الأمن، كما تراه القيادة العسكرية اليوم، يتحقق أيضًا عبر المدرسة، والمسجد، والأسرة، والإعلام، وكل ما من شأنه أن يعزّز الانتماء الوطني.

الأمن الاقتصادي كشرط للسيادة

ومن بين أبرز ما شدّد عليه الفريق أول رئيس اركان الجيش الوزير المنتدب للدفاع، البُعد الاقتصادي كركيزة للأمن الوطني، حين أضاف: “لا يراد لها (الجزائر) بأن تبني نفسها اقتصاديا واجتماعيا وعلميا، ولا يراد لها كذلك بأن تكون قوية ومنيعة ومتحصنة بكل أسباب القوة.”

هنا تتبلور فكرة الأمن الاقتصادي كجزء من السيادة. فدولة فقيرة أو غير متوازنة اقتصاديًا، مهما امتلكت من عتاد عسكري، تظل هشّة أمام الضغوط الأجنبية، والاختراقات الداخلية، ومعرضة لاهتزاز ثقة المواطن في مؤسسات دولته.

ولعلّ أهم ما يميز خطاب شنقريحة هو تأكيده على مسؤولية الجيش في الإسهام ببناء الدولة، لا فقط الدفاع عنها: “سنبقى في الجيش الوطني الشعبي، رفقة كافة الوطنيين المخلصين، حريصين أشد الحرص، على الحفاظ على هيبة الجزائر وعزة شعبها، من خلال تمتين دعائم قدرتنا العسكرية واستنهاض أداتها الرادعة”، لكنه يربط ذلك مباشرة بـ:”… لتكون دوما بالمرصاد لكل من تسول له نفسه التفكير في المساس بسيادة الجزائر، وأمنها الوطني ومقدراتها الاقتصادية.”

الربط الصريح بين الدفاع العسكري وحماية المقدّرات الاقتصادية يؤكد انتقال المؤسسة العسكرية إلى دور مركزي في دعم الاستقرار الشامل، بما فيه الاقتصادي والاجتماعي.

تعبير “توطين موجبات الأمن”، كما استُخدم في خطاب الفريق أول شنقريحة، لا يمثّل مجرد شعار، بل يُجسّد تحوّلًا نوعيًا في فهم الدولة الجزائرية لأمنها الوطني. إنه أمن لا يُبنى فقط على الردع، على الرغم من فاعليته في صد أطماع المغامرين،  بل على بناء العدالة، وتكريس المواطنة، وتحقيق التنمية، وضمان السيادة الثقافية والاقتصادية.

بهذا الطرح، تتحول العقيدة الأمنية الجزائرية إلى مشروع وطني جامع، تتشارك فيه مختلف مؤسسات الدولة، وتلتقي فيه القوة الصلبة مع القوة الناعمة، في سبيل دولة قوية، منيعة، وعادلة.

نص خطاب الفريق أول رئيس أركان الجيش الوزير المنتدب للدفاع.

” إن توطين موجبات الأمن والاستقرار على أرض بلادنا، و تنميتها وتقدمها واحتلال مكانتها المستحقة بين الأمم، هي رهانات كبرى يجد حيالها كل مخلص لهذه الأرض الطاهرة، أنه مطالب ببذل كل ما لديه من قوة وجهد من أجل كسبها.
هذه الغاية التي نحرص في الجيش الوطني الشعبي، تحت قيادة السيد رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، على العمل، رفقة جميع المخلصين من أبناء وطننا، على تحقيقها، وفاء منا لرسالة الشهداء الأبرار، وإفشالا لنوايا وأهداف أعداء الشعب الجزائري”.
السيد الفريق أول أكد أن الجزائر مستهدفة لعدة اعتبارات وأن أعداء الشعب الجزائري لم يهضموا إلى حد الآن استقلاله ولم يتحملوا إصرار أبنائه المخلصين على التمسك بموروثه الثوري والحضاري:
“هؤلاء الأعداء الذين لم يهضموا أبدا استقلاله، ولم يتحملوا صلابة وقوة وحدته وتماسكه الاجتماعي وتلاحمه مع جيشه، ولم يتقبلوا إطلاقا إصرار أبنائه المخلصين، على التمسك بمبادئ وقيم وطموحات ثورتهم التحريرية المجيدة، التي ساهمت في القضاء على الظاهرة الاستعمارية في العالم.
وهذا يعني أن الجزائر ولعدة اعتبارات كانت وستبقى مستهدفة من طرف أعدائها، فهي بحكم هذا الاستهداف لا يراد لها بأن تبقى موحدة متماسكة ومتصالحة مع ذاتها، معتزة بتاريخها وموروثها الحضاري، ولا يراد لها بأن تبني نفسها اقتصاديا واجتماعيا وعلميا، ولا يراد لها كذلك بأن تكون قوية ومنيعة ومتحصنة بكل أسباب القوة.
وعليه، سنبقى في الجيش الوطني الشعبي، رفقة كافة الوطنيين المخلصين، حريصين أشد الحرص، على الحفاظ على هيبة الجزائر وعزة شعبها، من خلال تمتين دعائم قدرتنا العسكرية واستنهاض أداتها الرادعة، لتكون دوما بالمرصاد لكل من تسول له نفسه التفكير في المساس بسيادة الجزائر، وأمنها الوطني ومقدراتها الاقتصادية.”.

في ختام اللقاء تابع السيد الفريق أول تدخلات بعض الإطارات واستمع لانشغالاتهم واهتماماتهم قبل أن يوقع على السجل الذهبي لقيادة الدرك الوطني.

تعليق واحد

  1. كما قلت من قبل (العقل يحمي القو).
    الله يبارك فيك وفي مالك وأهلك ويعطيك ويرضيك .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى