
تعيش تركيا منذ سنوات أزمة اقتصادية متفاقمة أرهقت كاهل المواطن العادي وأثّرت بعمق على الحياة اليومية للأسر التركية. فقد بلغ معدل التضخم مستويات قياسية، تجاوزت في بعض الفترات عتبة 70%، ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطن، وانهيار قيمة الليرة التركية أمام الدولار، وارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية بشكل حاد.
في المقابل، لم ترتفع الأجور بنفس الوتيرة، حيث لا يزال الحد الأدنى للأجور لا يغطي حتى التكاليف الأساسية للمعيشة في المدن الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة. أين وجدت شرائح واسعة من المجتمع نفسها مجبرة على تقليص نفقاتها إلى الحد الأدنى، والتخلي عن خدمات صحية و تعليمية كانت في السابق في متناولهم.
في وقتٍ تواجه فيه تركيا هذه التحديات الاقتصادية الحادة، كشفت أرقام رسمية عن مستويات إنفاق باهظة للقصر الرئاسي التركي. فقد بلغت المصاريف اليومية له نحو 59 مليون ليرة تركية، أي ما يعادل نحو 1.8 مليون دولار أميركي يومياً، بحسب تقرير نشرته صحيفة سوزجو.
وبحسب الصحيفة، أنفق القصر الرئاسي خلال الربع الأول من عام 2025 وحده 3.63 مليار ليرة تركية أي حوالي 111.7 مليون دولار، بينما بلغت نفقات إدارة الاتصال الرئاسي 1.57 مليار ليرة تركية ما يعادل نحو 48.3 مليون دولار خلال الفترة نفسها.
معارضة تنتقد وتُقارن:
النائبة المعارضة عن حزب الشعب الجمهوري في مرسين، جولجان كيش، وصفت هذه الأرقام بأنها تعكس انفصالاً تاماً بين السلطة والشعب، مشيرة إلى أن معدل الإنفاق اليومي يعادل 2.5 مليون ليرة في الساعة أي نحو 77 ألف دولار، و44 ألف ليرة في الدقيقة بما يعادل حوالي 1,350 دولار. وأضافت أن هذه المبالغ تعادل 120 ضعف الحد الأدنى للأجور في الساعة الواحدة.
وأشارت كيش إلى أن ما يُنفقه القصر في ساعة واحدة فقط يمكن أن يغطّي رواتب 120 شخصاً يتقاضون الحد الأدنى للأجور، وأن مصاريف القصر ليوم واحد فقط تسمح بدفع 2686 ضعف الحد الأدنى للأجر اليومي، أو تمويل منح دراسية سنوية لـ 1000 طالب، أو تغطية الاحتياجات الغذائية الشهرية لـ 25 ألف شخص.
واختتمت كيش بالقول: “بينما يُجبر الشعب على العيش على الخبز الجاف، تنفق الرئاسة 59 مليون ليرة يومياً. أموال الشعب تُستخدم لتلميع صورة السلطة بدلاً من تحسين مستوى معيشته.”
لكن هذا الغضب الشعبي لم يعد محصوراً في المجال الاقتصادي فقط. فقد تجسد تلاحم الغضب الاجتماعي مع الغضب السياسي في قضية رئيس بلدية إسطنبول السابق أكرم أوغلو، الذي تم الحكم عليه بالسجن بعد إدانته بتهم سياسية على خلفية تصريحاته التي انتقد فيها الحكومة. هذه القضية أثارت موجة واسعة من الاستنكار في الشارع التركي، حيث اعتبرها الكثيرون محاولة من الحكومة لإسكات المعارضة وقمع الحريات السياسية.
الغضب المتصاعد في الشارع بشأن أوغلو، الذي يعد أحد أبرز الشخصيات المعارضة، قد أدى إلى تصاعد الاحتجاجات بشكل غير مسبوق، حيث ربط المواطنون بين القمع السياسي والتضييق الاقتصادي الذي يعانون منه.
تجمع هذه الاحتجاجات على مستوى واسع مطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية وكذا العدالة السياسية، يعكس حالة من الرفض العميق للنظام الحالي من مختلف أطياف المجتمع التركي. ومع تصاعد التوتر بين الحكومة والمعارضة، يبدو أن الشارع التركي بات على أتم الاستعداد لمواجهة أية محاولات لتقليص الحريات الديمقراطية أو تهميش المطالب الاجتماعية.









