
بعد استحالة تنفيذه منذ تاريخ اصداره سنة 2019، اليوم الثالث والعشرين من أبريل، أعلنت عمّان بدء تنفيذ حكم محكمة التمييز القاضي بحظر “جماعة الإخوان المسلمين المنحلّة” ومصادرة ممتلكاتها.
على الورق، يبدو القرار فاصلاً وحاسماً؛ إذ يفترض أن يطوي صفحة تنظيمٍ تأسّس قبل ثمانين عاماً. غير أنّ المقاربة القانونية تصطدم ببنية اجتماعية وسياسية تجعل “الاجتثاث” شعاراً صعب التجسيد.
فالإخوان لم يعودوا مجرّد تنظيم هرميّ يَسهُل حلّه بمرسوم، بل شبكةٌ متغلغلة في النقابات ولجان الوعظ والعمل الخيري والعرف العشائري، إضافةً إلى كتلةٍ برلمانية هي الأكبر في مجلس النواب الحالي.
تبدأ تعقيدات المشهد في الحضور النقابي للجماعة. فمنذ السبعينيات تحوّلت مجالس المهندسين والأطباء والصيادلة إلى رافعة تنظيمية حقيقية للإسلاميين؛ أين يديرون أصولا تقدر بمئات الملايين من الدنانير.
أيّ محاولةٍ لإقصاء هذه الكتلة دفعةً واحدة تُفقِد الانتخابات المهنية شرعيتها وتجرّ عشرات الآلاف من الأعضاء المستفيدين الغاضبين إلى الشارع.
الفضاء الديني لايقل تشعباً وتعقيدا. فقد نشأت شبكة الوعّاظ والإرشاد وخطباء الإخوان منذ خمسينيات القرن الماضي، متغلغلةً في المساجد والمدارس القرآنية أين لايمكن للدولة أن تراقب فيها محتوى الخطاب الديني، فهي عاجزة عملياً عن تفحّص كل خُطبة جمعة أو دروس الوعظ أو حلقة الذكر دون أن تكون له عواقب سيئة تهدد السلم الاجتماعي.
ثم يأتي القطاع الخيري ليضيف طبقة جديدة من الصعوبة؛ فالجمعيات المرتبطة بالإخوان، ولو بطريقة غير مباشرة، تسدّ فجواتٍ في التعليم والصحة والإغاثة، وخاصة في الريف والبادية. إغلاق هذه الشبكات فجأة يهدّد بحرمان آلاف الأسر من خدماتٍ أساسية ويخلق نقمةً قد تتوجّه نحو مؤسسات الدولة نفسها.
مأزق البرلمان
يزداد المشهد ارتباكا حين نتذكّر أن حزب “جبهة العمل الإسلامي” الذراع السياسي للإخوان، يحوز مع حلفائه المستقلين أغلبيةً نيابية. ففي ضل حل الإخوان كيف سيكون وضع نوّابه المنتخبين دستورياً . الخيار الوحيد لإزاحة هذه الكتلة هو حلّ البرلمان بمرسوم ملكي والدعوة إلى انتخاباتٍ مبكرة بقانونٍ جديد يحدّ من هيمنة الصوت الإسلامي. غير أنّ هذه الخطوة مكلفة داخلياً، وتعرّض صورة التجربة الإصلاحية الأردنية لانتقادات دولية.
إزاء هذه التعقيدات تبدو عمّان أكثر ميلاً إلى تحويل شعار «لا إخوان» إلى صيغةٍ واقعيةٍ هي «لا نشاط باسم الإخوان». فالمقصود هنا قطع الغطاء القانوني والشعاري الذي يسمح للتنظيم الدولي بإدارة ملفّ الأردن، مع الإبقاء على قنواتٍ منضبطة تسمح للإسلاميين المحليين بالعمل الخيري والسياسي ضمن أطرٍ جديدة. تقوم الاستراتيجية على ثلاث دوائر متزامنة: مصادرة المقرّات والشعارات، إعادة هيكلة الجمعيات الخيرية تحت رقابة مالية صارمة، وتشجيع نشوء أحزاب محافظة “وطنية” تعلن القطيعة مع التنظيم الدولي وتقبل قواعد اللعب الدستوري.
معيار النجاح
لن يُقاس نجاح القرار بعدد المقرات المختومة بالشمع الأحمر، بل بقدرة الدولة على إعادة تدوير القاعدة الاجتماعية للإخوان داخل بنى شفافة تخضع للرقابة والمحاسبة. فقطع الجذع ممكن، لكن اقتلاع الجذور يهدّد البناء بأكمله ما لم تُستبدل التربة بسياساتٍ أكثر قدرةً على كسب ثقة المجتمع. وفي غياب بدائل مقنعة، سيعود التيار نفسه، أو أشدّ منه، تحت رايات جديدة، مؤكداً أنّ الحلّ الكامل ما يزال عملاً شبه مستحيل.
أثار التقارب الظاهر بين بعض قيادات «الإخوان الأردنيين» ودوائر سياسية تركيّة كثيرًا من التكهنات حول ما إذا كان التنظيم جزءًا من مشروع تركي توسّعي في الإقليم.
العدالة والتنمية الحاكم في أنقرة وحركة الإخوان في الأردن ينطلقان من مرجعية إسلامية إصلاحية متقاربة.
هذا الانسجام الفكري يخلق حتما أهدافا مشتركة، وهو ما يدفع إلى الاعتقاد أن الفرع الأردني يُدار حتما من أنقرة و يخضع لأجندتها، فنذ 2013 لجأ عدد من قادة الإخوان العرب، خصوصًا المصريين والسوريين، إلى تركيا التي وفّرت لهم منبرًا إعلاميًا ومساحة عمل ونشاط واسعة ليحول اسطنبول لعاصمة حقيقية للتنظيم الدولي.
كما أن قيادات إخوانية أردنية شاركت في عدد من مؤتمرات إسطنبول الفكرية ودخلت في شبكات منظمات مجتمع مدني مقرّها تركيا، وهو قد يظهر للسلطات الأردنية على أنه تشكيل لغرف عمليات مشتركة.
أيضا السلطات الأردنية التي تراقب التحويلات المالية بدقّة؛ تكون قد تأكد لديها احتمال وجود تمويل تركي رسمي ليس لحزب الاخوان الاردني فحسب بل لكل شبكاته من جمعيات، نقابات ومنظمات. فاطماع أنقرة التوسعية التي انكشفت في ليبيا، و سورية، قد تحوّل الأردن إلى مَسرح ذو أولوية كبيرة للنفوذ التركي المباشر.
فهل إقدام الاردن على حل الإخوان صادر بعد وجود أدلة دامغة على أنهم أصبحوا يشكّلون أداةً مهددة لاستقرار البلد ضمن استراتيجية توسعية تركية أصبح صعب تجاهلها.









