الرئيس تبون ومعادلة الفساد والتقصير

بالصيغة الورقية
الحدث

الاستيراد في الجزائر: بين دعم الدولة ونزيف احتياطي الصرف

أشرف وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات، البروفيسور كمال رزيق، اليوم، رفقة رئيس مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري، السيد كمال مولى، على حفل تسليم وثائق التوطين البنكي لعدد من المتعاملين الاقتصاديين، الناشطين في مجالات استيراد الأدوات والحقائب المدرسية، البن، خميرة الخبازة وحليب الأطفال.

وتندرج هذه الخطوة ضمن مسار تنفيذ تعليمات السيد رئيس الجمهورية، الرامية إلى حل الوكالة الوطنية لترقية التجارة الخارجية (الجكس)، وإرساء قواعد شفافة لتسيير عمليات الاستيراد، بما يسهم في ضبط السوق الوطنية، في انتظار إنشاء هيئتين متخصصتين: واحدة للاستيراد وأخرى للتصدير، تماشياً مع الرؤية الاقتصادية الجديدة.

وتأكيداً لالتزام الحكومة بمرافقة المتعاملين الاقتصاديين خلال هذه المرحلة الانتقالية، ستتواصل عملية تسليم شهادات التوطين البنكي خلال الأسبوع المقبل، لتشمل فئات إضافية من المنتجات، إلى غاية الانتهاء من تأسيس الهيئة الجديدة المكلفة بتنظيم نشاط الاستيراد.

الاستيراد في الجزائر: بين دعم الدولة ونزيف احتياطي الصرف

في قلب التحديات الاقتصادية التي تواجه الجزائر، تبرز عمليات الاستيراد كأحد العوامل التي تؤثر بشكل مباشر على استقرار الاقتصاد الوطني. وبينما تسعى الحكومة إلى تلبية احتياجات السوق من السلع المختلفة، تظل قضية نزيف احتياطي العملة الصعبة نتيجة لهذه العمليات مصدر قلق مستمر.

التوطين البنكي: آلية تنظيمية أم عبء إضافي؟

تخضع عمليات الاستيراد في الجزائر لنظام “التوطين البنكي” الذي يفرض على كل مستورد إجراء تحويلات بنكية قبل استيراد السلع. هذا الإجراء، الذي يتطلب تسديد قيمة الواردات بالعملة الصعبة عبر البنوك العمومية، يهدف إلى مراقبة تدفقات العملة الصعبة وضمان استخدامها في العمليات الاقتصادية المشروعة.

ورغم أن هذا النظام يعكس حرص الحكومة على التنظيم والشفافية، فإنه يضع عبئًا ثقيلًا على احتياطي العملة الصعبة، خاصة في ظل استمرار الطلب المرتفع على السلع المستوردة.

البنوك العمومية: دور الدولة في تسديد العملة الصعبة

تتولى البنوك العمومية، مثل البنك الوطني الجزائري (BNA) والقرض الشعبي الجزائري (CPA)، تسديد قيمة السلع المستوردة بالعملة الصعبة نيابة عن المستوردين. حيث يقوم المستورد بدفع قيمة السلع بالدينار الجزائري، ومن ثم تقوم البنوك بتحويل المبلغ إلى العملة الأجنبية المطلوبة كالدولار واليورو، وذلك باستخدام احتياطي العملة الصعبة الذي تديره الدولة.

لكن المشكلة تكمن في الفارق الكبير بين السعر الرسمي للعملة وبين السعر الفعلي في السوق السوداء. فعلى سبيل المثال، في حين أن السعر الرسمي لليورو يعادل 1 يورو = 150 دينارًا جزائريًا، فإن السعر في السوق الموازية يمكن أن يتجاوز 220 دينارًا جزائريًا لكل يورو. وهذا الفارق الكبير يعني أن البنوك توفر العملة الأجنبية بسعر أقل من قيمتها الفعلية، ما يشكل دعماً غير مباشر لعمليات الاستيراد.

فجوة أسعار الصرف: الدعم غير المباشر للاقتصاد

فإذا كان المستورد يحتاج إلى 1 مليون يورو لاستيراد منتجات، وبناءً على السعر الرسمي (1 يورو = 150 دج)، سيدفع المستورد 150 مليون دج.

ولكن في حال اعتمدنا السعر في السوق السوداء (1 يورو = 220 دج)، فإن قيمة نفس المليون يورو ستصل إلى 220 مليون دج.

وبذلك، تتحمل الدولة 70 مليون دج إضافية من احتياطي العملة الصعبة لدعم فرق الأسعار، مما يعمق من تأثير عمليات الاستيراد على الاحتياطات الوطنية.

نزيف احتياطي الصرف: تكلفة غير مباشرة

كل عملية استيراد تساهم في انخفاض احتياطي العملة الصعبة في الجزائر. ومع تزايد قيمة السلع المستوردة، تتسارع وتيرة هذا الاستنزاف، مما يضع ضغوطًا على صندوق ضبط الإيرادات الذي يحتفظ بالفائض من العملة الأجنبية. ففي حال استمر هذا النمط، قد يشهد الاحتياطي تراجعًا كبيرًا في غضون سنوات قليلة.

الإصلاحات الحكومية: السعي للتوازن

في ضوء التحديات المرتبطة بنزيف احتياطي العملة الصعبة، تبذل الجزائر جهودًا لتقليص الاعتماد على الاستيراد وتنشيط الإنتاج المحلي  ومن بين الإصلاحات المتبعة، ترشيد الاستيراد، بحيث يتم التركيز على المواد الأساسية فقط، وتقييد استيراد السلع غير الضرورية، بالإضافة إلى تحفيز الإنتاج المحلي لزيادة القدرة الإنتاجية وتقليل الاعتماد على الخارج.

كما يبقى الإجراء الأصح هو تقليل الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء، من خلال رفع قيمة الدينار بشكل لا يؤدي إلى ارتفاع الأسعار  والتضخم، ولهذا تجد الحكومة نفسها اليوم أمام معادلة اقتصادية تبدوا صعبة الحل، تحرير الاستيراد يتطلب تخلي الدولة عن واجب تمويل عمليات الاستيراد بالعملة الصعبة، وهذا لا يمكنه أن يتحقق في ضل دينار  رفع الدعم عنه سيؤدي حتما إلى اغراقه.

تظل قضية الاستيراد في الجزائر محورية في تحقيق التوازنات الاقتصادية. فبينما تسعى الحكومة إلى ضمان استقرار السوق وتلبية احتياجات المواطنين، تظل مشكلة تآكل احتياطي العملة الصعبة نتيجة عمليات الاستيراد وتفاوت أسعار الصرف أحد التحديات التي تتطلب حلولًا اقتصادية مبتكرة.
الخطوات الإصلاحية التي تبنتها الجزائر قد تكون بداية نحو بناء نظام اقتصادي أكثر استدامة، بحيث يتم الحفاظ على الاحتياطي الوطني دون التسيب في الندرة وانتعاش مظاهر المضاربة.

فربط قيمة الدينار بالقدرة الشرائية يمكّن الاقتصاد الوطني من اتخاذ تدابير سريعة ستسمح بتقليل الفوجة وبالتالي تفويض عمليات تمويل الاستيراد لبنوك خاصة أو لمكاتب الصرف التي يكون من أهم مهامها، امتصاص الكتلة النقدية للسوق الموازية وتوظيفها في تحرير مقنن ومدروس للتجارة الخارجية وحماية احتياط الصرف وبالتالي البقاء بعيدا عن شبح المديونية.

‫2 تعليقات

  1. يقول المثل الشعبي … منا تحرڤ ، و منا تكوي
    … تفتح الاستراد ، تكبر الكتلة المالية من جراء هذه العمليات لفائدة اصحاب البطون المنتفخة 😭
    … تغلق الإستراد ، تتأثر مصالح المؤسسات ، و تشح حاجيات المواطن ، و يضرب قوت بطنه 🥹

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى