رأي

بين الجزائر والمغرب, هل هي حرب أفيون جديدة؟

في أوائل القرن التاسع عشر، كانت بريطانيا تستورد كميات ضخمة من الشاي والحرير والخزف من الصين، ولكنها كانت تعاني من عجز تجاري كبير يثقل كاهلها عند السداد, لأن الصين لم تكن تستورد بالمقابل الكثير من البضائع البريطانية. للتعويض عن هذا العجز، بدأت بريطانيا تُهرّب الأفيون، المُنتج في الهند إحدى مستعمراتها، إلى داخل الصين.

كانت بريطانيا مولعة بالشاي الصيني، إلى درجة أن ملايين الأرطال كانت تُستورد سنوياً من موانئ الصين الجنوبية، خاصة ميناء “قوانغتشو”. غير أن البريطانيين كانوا مضطرين لدفع ثمن هذه الواردات بالفضة. لم تجد الإمبراطورية البريطانية وسيلة  لسد هذا العجز أفضل من تصدير الأفيون.

رغم أن الصين كانت قد حرّمت تجارة الأفيون بسبب آثاره المدمرة على الصحة العامة والنظام الاجتماعي، إلا أن التهريب كان قد ترسّخ في عمق الموانئ الصينية، وتكوّنت شبكات واسعة من التجار والمستهلكين. وكان آلاف الصينيين قد وقعوا بالفعل في فخ الإدمان، مما أثار قلق النخبة الحاكمة وهدد استقرار البلاد.

لين زيشو… والرجل الذي تحدى بريطانيا
في عام 1839، أرسلت الحكومة الصينية مفوضاً خاصاً اسمه لين زيشو إلى قوانغتشو ليضع حداً لتفشي تجارة الأفيون. وبحزم غير معهود، أمر بمصادرة كميات ضخمة من الأفيون البريطاني وإتلافها علناً، في عملية استعراضية على شاطئ البحر عُرفت لاحقاً بأنها “شرارة الحرب”. لم تتسامح بريطانيا مع ما اعتبرته “إهانة لمواطنيها ومصالحها”، فقررت الرد بقوة السلاح.

مدافع بريطانيا تطرق أبواب الصين
اندلعت حرب الأفيون الأولى (1839–1842) بين طرفين غير متكافئين: دولة صينية ذات جيش تقليدي وتكنولوجيا متأخرة، في مواجهة أسطول بريطاني مدجج بأحدث السفن والمدافع. اجتاحت القوات البريطانية الساحل الصيني بسهولة، وأجبرت الصين في النهاية على توقيع معاهدة نانجينغ عام 1842. كانت المعاهدة مهينة بكل المقاييس, حيث تضمنت تنازلا صينيا عن جزيرة هونغ كونغ لبريطانيا, فتح خمسة موانئ للتجارة البريطانية ودفع تعويضات مالية ضخمة.

العودة بالنار والبارود
لم تكتفِ بريطانيا بذلك، وبعد أقل من عقدين، اندلعت حرب الأفيون الثانية (1856–1860)، وهذه المرة انضمت فرنسا إلى الهجوم تحت ذرائع مختلفة، لتجد الصين  نفسها مرة أخرى في مواجهة قوى استعمارية لا تهتم بالقانون أو السيادة، بل تسعى إلى فرض إرادتها بكل الوسائل.

بعد قصف بكين واحتلال القصر الإمبراطوري، أُجبرت الصين على توقيع معاهدة تيانجين ثم معاهدة بكين، التي أعطت الدول الغربية مزيداً من الامتيازات، وشرّعت فعلياً تجارة الأفيون!

لم تكن حروب الأفيون مجرد نزاعات تجارية، بل شكلت لحظة تاريخية فاصلة أدخلت الصين في ما يُعرف بـ”قرن الإذلال”، حيث توالت التدخلات الأجنبية والمعاهدات المجحفة والثورات الداخلية. تركت جميعها جرحاً عميقاً في الذاكرة الصينية.

إذلال الصين على يد بريطانيا لم يكن فقط بالمدافع، بل بتحطيم كبرياء أمة بأكملها، وتفكيك مؤسساتها، وتشويه نسيجها الاجتماعي، من خلال الاعتماد على الأفيون كسلاح لضرب تماسك المجتمع وجعله غير قادر تماما على الدفاع عن كيانه.

نعم، استخدمت بريطانيا الأفيون كسلاح استعماري فعّال لإذلال الصين وإخضاعها، في واحدة من أكثر الوقائع التاريخية التي تُظهر كيف يمكن أن تُستخدم أدوات غير مألوفة لتدمير دولة من الداخل دون الحاجة إلى احتلال مباشر في البداية. فقد كان أداة استراتيجية استُخدمت عن قصد لتدمير الصحة العامة وأضعف القوى العاملة  والتسبب كذلك باستنزاف اقتصادي، حيث بدأ الصينيون يدفعون الفضة مقابل الأفيون, بالاضافة إلى فساد إداري تورط من خلاله مسؤولون كبار في التهريب, كما عرف المجتمع الصينبي انحلالا اجتماعيا، أدى إلى تفكك الأسر، وانتشار الفقر والجريمة.

اليوم، في شمال إفريقيا، تُحذّر الجزائر منذ سنوات من تعرضها لمحاولات منظمة وممنهجة لإغراقها بالمخدرات القادمة من المغرب. هذه ليست مجرد عمليات تهريب عشوائية، بل نشاط مهيكل لشبكات واسعة، بعضها يرتبط بمناطق نفوذ مافيوية داخل المملكة المغربية، بل حتى ببعض “البيادق” المحمية سياسياً، وفق بيانات رسمية جزائرية.

تُحبط الجزائر سنوياً آلاف المحاولات لتمرير القنّب الهندي أو الكيف المعالج، ويتم اكتشاف كميات ضخمة على طول حدودها الغربية، ما يدفع الكثيرين إلى وصف هذه الحرب بـ”الغامضة”.

قبل ثلاث أيام فقط وفي عملية نوعية، تمكنت المصالح المختصة بميناء وهران من ضبط 20 حاوية مشبوهة كانت تحوي سلعًا ذات طابع منافٍ للأخلاق والقيم الدينية والوطنية.

أسفرت العملية عن اكتشاف ساعات وأجهزة إلكترونية موجهة لفئة التلاميذ، إلى جانب لواحق وهواتف مزودة برسومات وشعارات تمسّ بالقيم الأخلاقية والدينية.

وزارة الدفاع الوطني وفي بيان لها قبل يومين, وحول الحصيلة العملياتية للجيش الوطني الشعبي خلال الفترة الممتدة من 23 إلى 29 أفريل 2025 أعلنت عن إحباط  محاولات جديدة أخرى لا تتوقف, هذه المرة  لإدخال أكثر من 9 قناطير ومن الكيف المعالج عبر الحدود مع المغرب, بالاضافة إلى حجز أكثر من مائة ألف قرص مهلوس.

نفس المخطط لأجل تحقيق الأهداف ذاتها, زرع الفوضى، استنزاف المؤسسات، ضرب الشباب في هويتهم ومناعتهم النفسية، وتحطيم الثقة بين المواطن والدولة.

الجزائر تدرك ذلك جيدا، ولهذا جعلت من مكافحة المخدرات قضية سيادية وأمنية من الدرجة الأولى، واستثمرت في تعزيز الجدار الأمني على حدودها الغربية وجعله أكثر نجاعة في صد محاولات تمرير السموم إلى الداخل، فمن الصين إلى الجزائر، ومن الأفيون إلى الكيف، تتكرّر مشاهد التاريخ في صور مختلفة. فمثلما استُعمل الأفيون لإذلال أمة عظيمة مثل الصين، تُستعمل اليوم المخدرات، وإن بطرق أكثر مراوغة، لمحاولة ضرب تماسك الجزائر.

لكن الفارق أن الجزائر تعلم الدرس جيداً، وتقرأ التاريخ بوعي، وقد اختارت المواجهة لا الخضوع، واليقظة لا الانخداع.

‫3 تعليقات

  1. احسن وسيلة للدفاع هي الهجوم …
    اسهل شيئ حرق محاصيل الزطلة في الموغريب 🤔
    .. ربما الإجراءات التي قيد الدراسة المعلن عنها من طرف وزير العدل تحد بشكل كبير من انتشار هذه الآفة وسط الشباب و خاصة المراهق منهم 🥹 .
    … في انتظار مزيدا من التضييقات النفسية و المادية على من يروح و يستهلك هذه السموم

  2. احسنت في هدا المقال الممتاز الذي يربط بين ما حصل لصين و ما قد يردون ان يحدث في الجزاءر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى