الرئيس تبون ومعادلة الفساد والتقصير

بالصيغة الورقية
الحدثدولي

هل يفكر تراوري في التخلي عن الصين والعودة للاستعانة برجال أعمال محليين؟

في تطور لافت على الساحة السياسية والاقتصادية في بوركينا فاسو، كشفت مصادر مطلعة عن عودة التواصل بين رئيس المرحلة الانتقالية، الكابتن إبراهيم تراوري، ورجل الأعمال البارز ومؤسس مجموعة EBOMAF، محمودو بونكونغو، والذي يُعرف بلقب “أمين خزينة الرؤساء” نظراً لعلاقته الوثيقة بالأنظمة السابقة.

هذه الخطوة تأتي بعد قطيعة دامت أكثر من عام، طغت فيها البرودة والتوتر على العلاقة بين الطرفين منذ استلام تراوري السلطة في أكتوبر 2022.

طوال سنوات، كان بونكونغو يُمثّل نموذجاً لرجل الأعمال الذي نسج نفوذه في صلب الدولة، حيث ارتبط اسمه بمشاريع ضخمة في مجالات البنى التحتية، كالطرق والمستشفيات، وتعلق اسمه في آنٍ واحد بالولاء السياسي للسلطات المتعاقبة. لكن بعد انقلاب 2022، وجد نفسه مُهمشاً ومُستبعداً من الدائرة الضيقة للسلطة الجديدة، بل وغادر البلاد بعد خضوعه لتحقيقات مالية وضغوط أمنية.

الصين تتقدم.. ورجال الأعمال المحليون يتراجعون

خلال فترة غياب بونكونغو، وتوتر العلاقات مع باريس، صعدت الصين كلاعب اقتصادي محوري في بوركينا فاسو، من خلال تمويلها الضخم لعدد من انجازات البنية التحتية  عبر شركات مثل Sinohydro وCCECC. الحكومة الانتقالية وجدت في بكين شريكاً، أكثر قدرة على تنفيذ المشاريع، بسرعة وبتمويل خارجي دون اللجوء إلى الاستدانة.

لكن هذا التحول لم يكن بلا ثمن. فالتغلغل الصيني المتزايد أثار قلقاً متزايداً في الأوساط العسكرية، خشية تحوّل الدولة إلى رهينة لديون استراتيجية طويلة الأمد، وهو ما سيتسبب حتما في تآكل النفوذ الوطني في القطاعات الحيوية، وتحوّل بوركينافاسو إلى قاعدة خلفية للصين تسمح لها بالالتفاف على أي عقوبات دولية يحتمل فرضها، وهو ما أعاد طرح ورقة رجال الأعمال المحليين من جديد.

العودة الخجولة… محاولة لاستعادة التوازن؟

في هذا السياق، يُمكن فهم عودة الاتصال بين تراوري وبونكونغو كمؤشر على  احتمال سعي السلطات العسكرية الانتقالية إلى ايجاد بعض التوازن أمام النفوذ الصيني، لكن احتمال التورط مجدداً في علاقات الزبائنية السياسية التي ميزت الأنظمة السابقة هو وارد جدا. فبونكونغو لا يزال يمتلك شبكة مالية وخبرات لوجستية مهمة، وقدرته على تعبئة الموارد داخل وخارج البلاد ستكون مفيدة للنظام في مرحلة يُراد فيها توطين الاقتصاد والحد من التبعية الخارجية.

غير أن هذه العودة تظل محفوفة بالحذر؛ فبونكونغو لم يعد إلى واغادوغو فعلياً بعد، ما يعكس استمرار مناخ انعدام الثقة بينه وبين السلطات. في المقابل، قد يحاول بونكونغو استغلال هذه المصالحة الجزئية لترميم صورته، واستعادة موطئ قدم في بوركينا فاسو، أو على الأقل إعادة جزء من استثماراته المتوقفة.

عودة الاتصال بين الكابتن تراوري و”أمين خزائنه” السابق ليست مجرد تسوية شخصية، بل تعكس إعادة تشكيل لمنظومة النفوذ داخل الدولة بين ثلاث قوى رئيسية: المؤسسة العسكرية، الرأسمال المحلي، والنفوذ الصيني المتزايد. وما ستسفر عنه هذه العلاقة في الأشهر المقبلة قد يحدد ملامح الاقتصاد البوركينابي في مرحلة ما بعد الانتقال السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى