الحدثدولي

نهاية السلاح الكردي… وسقوط آخر أوراق أردوغان

في خطوة وُصفت بالتاريخية، أعلن حزب العمال الكردستاني (PKK) حلّ نفسه وإنهاء الكفاح المسلح الذي دام أكثر من 40 عاماً ضد الدولة التركية، وذلك خلال مؤتمره الثاني عشر المنعقد في شمال العراق.

الإعلان جاء استجابة لنداء زعيم الحزب المسجون عبد الله أوجلان، الذي دعا، في رسالة مكتوبة، إلى “إغلاق صفحة الحرب وفتح أفق جديد للسلام والديمقراطية”.

الحكومة التركية رحبت بهذا التطور، واصفةً إياه بـ”الفرصة التاريخية”، لكنها لم تُعلن حتى الآن عن خطوات مقابلة في اتجاه المصالحة أو الإصلاح.

لكن هذا الحدث لا يمكن فصله عن السياق الداخلي التركي المتأزم. فحلّ الحزب لا يعني فقط نهاية فصل طويل من العنف، بل أيضاً إسقاط واحدة من آخر أوراق الضغط التي استخدمتها السلطة الحاكمة، وعلى رأسها الرئيس رجب طيب أردوغان، لتوحيد الجبهة الداخلية حول خطاب “الأمن القومي” و”مكافحة الإرهاب”.

ورقة محترقة في زمن الغضب الشعبي

لسنوات، ظلّ الصراع مع حزب العمال الكردستاني يُستثمر في الداخل التركي لتبرير القمع، التضييق على الحريات، وتوجيه الرأي العام بعيداً عن الازمات الاقتصاد والسياسة التي تعرفها البلاد. فكلما ارتفع منسوب الغضب الشعبي، لجأت السلطة إلى تحريك الملف الكردي، سواءا عبر عمليات عسكرية خارج الحدود، أو من خلال ملاحقة السياسيين الأكراد في الداخل، أو عبر خطاب شعبوي قائم على تخوين أي صوت معارض.

اليوم، ومع اختفاء هذا “العدو الرسمي”، يجد النظام نفسه عارياً أمام واقع اجتماعي متفجر، تضخم خانق، بطالة متصاعدة، تراجع في قيمة الليرة، وتآكل القدرة الشرائية للأسر التركية.

لم يعد بإمكان السلطة أن ترفع لافتة “الحرب على الإرهاب” لتُخفي بها عجزها عن معالجة جوهر الأزمات، اخطرها ما هو مرتبط بمحاولة أردوغان تمديد فترة حكمه في وقت تحتل فيه المعارضة الشوارع الرئيسية في المدن الكبرى بتركيا.

حلّ الحزب الكردي المسلح يضع أيضاً التيارات القومية في مأزق. فهذه القوى، الحليفة لأردوغان، لطالما استمدت شرعيتها من معاداة الكرد وتضخيم خطر الانفصال. في غياب العدو، قد تبدأ الخلافات الأيديولوجية والمصلحية في الظهور، ما يُنذر بتفكك جبهة “تحالف الشعب” الحاكم.

وبالتوازي، قد تزداد الضغوط على الحكومة للاستجابة لمطالب أكثر عمقاً، كمراجعة سياسات الإقصاء، الإفراج عن السجناء السياسيين، وتوسيع الهامش الديمقراطي للأقليات، خاصة في ظل تراجع فعالية التخويف من “الخطر الكردي المسلح”.

في الوقت الذي تخسر فيه السلطة ورقة طالما وظّفتها لإبقاء المجتمع في حالة تعبئة، قد تشكّل هذه اللحظة فرصة نادرة أمام المعارضة السياسية والمجتمع المدني لإعادة بعث النقاش العام حول الحقوق، والمواطنة، والعدالة الاجتماعية. لكنها فرصة محفوفة بالمخاطر، إذ من غير المستبعد أن تحاول السلطة استبدال “العدو الكردي” بعدو جديد، سواء كان خارجياً أو داخلياً، للحفاظ على خطابها التعبوي.

تفكيك حزب العمال الكردستاني قد يكون مقدّمة لسلام تاريخي… أو لحظة فراغ سياسي تُكشف فيها هشاشة النظام القائم على التخويف والتعبئة القومية. كل شيء سيتوقف على من يمتلك القدرة على ملء هذا الفراغ، هل هي قوى التغيير والإصلاح؟ أم سلطة تبحث عن إزالة كل تهديد خارجي أو داخلي قد يعيقعا في مسيرة إعادة بعث الإمبراطورية التركية.

فمثلما تصالح أردوغان مع اليونان وأرمينيا، ها هو يفكك ملف الأكراد، إدراكا منه أنه بهذه المنهجية سيصل إلى توحيد الجبهة الداخلية لبلد تعود على توظيف الأخطار بدلا عن إلغاءها؟

فهل يحفر أردوغان، دون أن يعلم، قبرا لكل طموحاته السياسية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى