الحدث

تندوف | تمرين تكتيكي بالذخيرة الحية

لا يمكن قراءة تمرين “الحصن المنيع 2025″، الذي أشرف عليه الفريق أول السعيد شنڨريحة، إلا في ضوء المتغيرات الإقليمية والدروس الاستراتيجية التي تعيد رسم العقيدة الدفاعية الجزائرية، في منطقة تشهد تحولات أمنية متسارعة، خاصة على حدودها الجنوبية.

اختيار القطاع العملياتي جنوبي تندوف لتنفيذ تمرين بهذا الحجم، لم يكن صدفة. فالمنطقة، وإن بدت جغرافياً نائية، تُمثّل استراتيجياً تقاطعاً حاداً بين التهديدات القادمة من الساحل، والحسابات الجيوسياسية المرتبطة بملف الصحراء الغربية، ونشاط القواعد الأجنبية على مشارف مالي والنيجر.

ما ميز تمرين “الحصن المنيع” ليس فقط استخدام الذخيرة الحية، بل مستوى التنسيق العالي بين مختلف مكونات الجيش الوطني الشعبي، وهو ما يؤشر إلى تحوّل نوعي في القدرة على خوض معارك مركبة، تتطلب تنسيقاً فورياً بين القوات البرية، الجوية، والدفاع الجوي، وربما حتى وحدات الحرب الإلكترونية.

رغم أن الخطاب الرسمي يؤكد الطابع الدفاعي للعقيدة العسكرية الجزائرية، إلا أن التمرين عكس مرونة عملياتية تتضمن سيناريوهات الهجوم الوقائي أو الردعي، في حالة التهديد المباشر للأمن القومي. استخدام مصطلح “الحصن المنيع” يحمل دلالة رمزية على بناء جدار ردع مرن، قادر على الاستجابة السريعة والمركّزة.

يحمل التمرين كذلك رسالة موجهة للداخل: مفادها أن المؤسسة العسكرية تواصل عملها بعيداً عن التوترات السياسية، مع الحفاظ على أعلى مستويات الجاهزية. كما أن الرسالة الخارجية، موجهة بوضوح لكل من يفكر في اختبار قدرة الجزائر على الدفاع عن مجالها الحيوي.

ما بين تكثيف المناورات، وتحديث العتاد، وتكوين الإطارات، يبدو أن سنة 2025 تشكّل نقطة انعطاف في التحول الاستراتيجي للجيش الجزائري، نحو جيش أكثر ذكاءً، مرونة، واستباقًا.

“الحصن المنيع” ليس مجرد تمرين عسكري، بل تعبير ميداني عن إرادة دولة في حماية استقلال قرارها ومجالها السيادي، في لحظة إقليمية مشحونة بالضغوط الأمنية والسياسية. وإذا كان الجيش مرآة السيادة، فإن ما حدث جنوبي تندوف هو انعكاس حاد وواضح لهذه السيادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى