الحدثدولي

توماس فريدمان: ترامب يحكمنا من خلال شركاته

من يراقب إدارة عهدة دونالد ترامب الثانية في البيت الأبيض، لا يرى رئيسًا لدولة بل مديرًا تنفيذيًا لشركة خاصة تُدعى “الولايات المتحدة الأمريكية”. هذا هو جوهر التحليل الحاد الذي قدّمه الصحفي الأميركي توماس فريدمان، أحد أبرز كتاب نيويورك تايمز، والذي رأى أن ترامب لم يأتِ إلى الحكم ليقود دولة، بل ليستكمل ما بدأه في ولايته الأولى: استخدام أدوات السلطة لتحقيق مصالحه الشخصية، كما لو كان يدير فرعًا جديدًا من مؤسساته التجارية.

في فترته الأولى، كان شعار ترامب الضمني: “لقد حان دورنا للحكم”. أما الآن، فقد تحوّل الشعار إلى ما يصفه فريدمان بمرارة: “لقد حان دورنا لنأكل”, وهو تعبير شائع في الأنظمة الفاسدة حيث تُختزل الدولة في غنيمة يتقاسمها الرئيس والمحيطون به.

دولة بلا مؤسسات… بل شركة بدون رقابة
فريدمان يرصد هذا التحول من خلال سلسلة من الوقائع التي لم تعد استثناءً، بل القاعدة, قرارات كبرى تُتخذ دون استشارة المؤسسات، تعيينات عشوائية لأصدقاء مقربين في مناصب حساسة، وخلط فجّ بين المال العام والمصالح الخاصة. أحد الأمثلة الصارخة كان عندما استضاف ترامب حفلاً في ناديه للغولف، حضره رجال أعمال دفعوا ملايين الدولارات في عملة مشفّرة مقابل فرصة الظهور معه على منصة تحمل ختم الرئاسة. وعندما سُئل المتحدث باسم البيت الأبيض عن الفضيحة، أجاب ببساطة: “كان الرئيس يحضر بصفته الشخصية”.

الأمر لا يتوقف عند الشبهات المالية. فريدمان يذهب أبعد من ذلك ليُظهر أن ترامب لا يحكم عبر مؤسسات الدولة بل بغرائز فردية وانفعالات لحظية. لا لتنسيق بين الوكالات، ولا احترام لهياكل الدولة.

في مثال آخر، يوضح فريدمان كيف أعلن ترامب بعد أسابيع فقط من توليه المنصب عن رسوم جمركية عالمية دون أي تشاور مع الفاعلين في صناعة السيارات الأميركية. ثم اكتشف فجأة أن ثلث مكونات الشاحنة الأكثر مبيعًا في البلاد (فورد F-150) تأتي من الخارج ولا يمكن استبدالها بسهولة. النتيجة؟ انهيار في التوقعات الاقتصادية، وتخبط في سلاسل التوريد.

ثم جاء رد الصين، التي فرضت رسومًا انتقامية بنسبة 145% على الصادرات إلى أمريكا، وأوقفت تصدير مكوّنات حساسة مثل المغناطيسات الأرضية النادرة المستخدمة في السيارات والطائرات المُسيّرة والصواريخ. والنتيجة المتوقعة تقليص إنتاج المصانع الأميركية خلال أيام إن لم “يتراجع ترامب كالعادة”، بحسب تعبير فريدمان.

في هذا السياق، يُشدّد فريدمان على أن ما يحدث لم يعد مجرد خلل في إدارة، بل تغيير جذري في طبيعة الحُكم. لم تعد أمريكا تُدار من قبل رئيس منتخب تحكمه مؤسسات وقوانين، بل من قبل مدير شركة يُحيط نفسه داخلها بمصفقين، لا مستشارين، محولا كل فرصة  إلى مناسبة لتحقيق ربح أكبر.

قد يكون أخطر ما في هذه الظاهرة هو أن الحدود أصبحت مشوشة تمامًا بين السلطة والمال، بين المصلحة العامة والثروة الخاصة، بين الدولة والشركة.

فريدمان يطلق تحذيرًا شديد اللهجة: ترامب لا يحكم كقائد لأمّة، بل كمالك لمؤسسة خاصة. وإذا لم تُدرك المؤسسات الأميركية هذا التهديد وتتحرك لمواجهته، فإن ما تبقى من النظام الجمهوري الأميركي قد يتحول فعليًا إلى فرع من فروع شركة ترامب القابضة.

‫3 تعليقات

  1. اصبحت دائرة ترامب صغيرة، حيث يحيط به بعض اصحاب المال فقط واصبح نظره قصير بالنسبة للدولة وطويل المدى لنفسه، كما انه لا يرى بأعين ديموقراطية بل بأعين الدائرة الضيقة وهنا تكمن الخطورة على الدولة.

  2. تحليلك قبل 4 سنوات مقارنة ما قاله توماس فريدمان كان أشمل وأدق تفصيلاً حتي أصبح ممل عند متابعين صفحتك القدماء،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى