الحدثدولي

لماذا تفضل إيران حتى اللحظة استخدام صواريخها التقليدية؟

وسط التصعيد العسكري المستمر بين إيران وإسرائيل، تطرح الأوساط العسكرية والاستخباراتية الاسرائيلية والغربية فرضية قوية، هل تعمّدت إيران استخدام صواريخ باليستية تعتمد على الوقود السائل، لا الصلب، في هذه المرحلة الحساسة من الصراع؟ ولماذا تلجأ طهران إلى صواريخ أبطأ وأقل دقة في مواجهة مفتوحة مصيرية؟

الإجابة قد تكون أكثر تعقيدًا مما تبدو، وتحمل في طياتها مناورة استراتيجية تهدف إلى إنهاك الدفاعات الجوية الإسرائيلية واستنزاف مخزونها من الذخائر الاعتراضية المتقدمة، تمهيدًا لمرحلة هجومية أكثر حساسية.

بحسب ما أعلنته طهران، استخدم الحرس الثوري الإيراني صواريخ من طراز “فتح 1″، وهي صواريخ متوسطة المدى تعمل بالوقود السائل. هذا النوع من الصواريخ، رغم قدمه، يتمتع بميزة أساسية: القدرة على الإغراق الكثيف والرخيص.

في المقابل، تتطلب مواجهته من إسرائيل استخدام أنظمة اعتراض عالية الكلفة مثل “حيتس” و”آرو”، التي صُممت لاعتراض التهديدات الباليستية الأكثر تعقيدًا.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، فإن إسرائيل تمتلك مخزوناً محدوداً من هذه الصواريخ، يكفي لأسبوع على الأكثر.

وهنا تبرز المفارقة: تكلفة الصاروخ الإيراني لا تتجاوز عشرات آلاف الدولارات، بينما اعتراضه يكلف إسرائيل ملايين الدولارات. مع استمرار هذا النمط، تدخل إسرائيل في دوامة “حرب استنزاف دفاعية”، وهو سيناريو لطالما سعت إيران إلى فرضه منذ سنوات.

تكتيك إغراق المنظومة”: حرب نفسية ولوجستية

يصف محللون عسكريون هذا الأسلوب بـ”تكتيك الإغراق المنظومي” أو ما يعرف بالانجليزية (Saturation Tactic)، حيث تُستخدم صواريخ أقل دقة في هجمات متزامنة لإرهاق منظومات الدفاع وإجبارها على استهلاك ذخائرها بسرعة.

وفي حديث مع الصحيفة، قال توم كاراكو، مدير مشروع الدفاع الصاروخي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS):

“لا يمكن لأي دولة أن تعترض الصواريخ بشكل مستمر وعلى مدار الساعة، بما في ذلك إسرائيل. هذه المعركة تتطلب توازنًا بين الرد والتريث”.

وهذا ما يدفع البعض إلى الاعتقاد بأن إيران لا تبحث فقط عن ضرب أهداف عسكرية بل عن إنهاك القدرات الدفاعية  لإسرائيلي، وخلق حالة تردد في متى وأين يجب إطلاق الصواريخ الاعتراضية.

اللافت في المشهد أن إيران لم تلجأ بعد إلى استخدام صواريخها المتطورة العاملة بالوقود الصلب، مثل “سجّيل” و”خرمشهر 4″، رغم قدرتها العالية على المناورة والانطلاق الفوري، بما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة.

وبحسب خبراء، فإن ذلك يعود إلى حسابات استراتيجية، فالصواريخ التقليدية تمهّد الأرضية لاستنزاف العدو، أما الحديثة محفوظة لضربة أكثر حسمًا، ربما إذا دخلت الولايات المتحدة بشكل مباشر في المعركة، أو إذا فقدت إسرائيل قدرتها على الردع الكامل.

من جهة أخرى، أعلنت إسرائيل أنها مستعدة “لجميع السيناريوهات”، لكنها امتنعت عن التعليق على التقارير المتعلقة بمخزون الذخائر الاعتراضية، ما يعزز فرضية القلق من تناقص الموارد الدفاعية.

وفي الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة الهجمات المتبادلة، وبينما تهدد حركة حماس باستهداف حيفا وتل أبيب، يبدو أن إسرائيل تُدفع إلى الزاوية تدريجياً في معركة أعصاب ودفاعات وأرقام.

إن تعمُّد إيران استخدام صواريخ قديمة في معركة حاسمة ليس علامة ضعف، بل قد يكون مؤشرا على ذكاء عسكري واعتماد التدرّج في إدارة المعركة. هي تسعى لإفراغ مستودعات إسرائيل قبل أن تُخرج من ترسانتها ما هو أثقل وأخطر، وهو ما يهدد دخول كل منطقة الخليج تحت نطاق الاستهداف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى