الإعلام العبري يشكك في مساع واشنطن للسلام
لم يكن مفاجئًا أن تُثار هذه الموجة من الدهشة والريبة عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في خطوة غير متوقعة، توصله إلى اتفاق مع جماعة الحوثي بشأن وقف إطلاق النار, لكن الأكثر إثارة للجدل كان تصريحه بأن "الحوثيين استسلموا لنا بكل بساطة"، وهو ما دفع مراقبين ومحللين إلى التساؤل عن طبيعة الاتفاق ومضمونه الحقيقي ليس بشأن الجبهة اليمنية فحسب بل حتى تلك المرتبطة بحرب غزة والمواجهة المباشرة مع إيران.

غير أن الصدمة الكبرى, بحسب الإعلام الإسرائيلي, جاءت عندما تبيّن أن الحوثيين واصلوا استهداف إسرائيل بالطائرات المسيّرة الانتحارية والصواريخ الباليستية، ما اعتُبر في الأوساط السياسية والإعلامية في تل أبيب بمثابة “طعنة في الظهر” و”إلقاء إسرائيل تحت عجلات الحافلة اليمنية”، كما وصف في أحد التقارير الإسرائيلية.
تجدر الإشارة إلى أن هذه المواقف مصدرها وسائل إعلام عبرية، وهي تعكس المزاج العام داخل إسرائيل بعد الإعلان عن الاتفاق، خاصة في ظل غياب أي ضمانات علنية لحماية المصالح الإسرائيلية ضمن التفاهمات الأمريكية الحوثية.
ورغم الترويج الإعلامي لنجاح المفاوضات بين واشنطن والحوثيين، فإن التباين في الخطابات الصادرة من الجانبين يفضح هشاشة الاتفاق ووجود أجندات خفية تحكم العلاقة بين الطرفين. دراسة حديثة نشرتها قاعدة بيانات مواقع الصراعات المسلحة في العالم (ACLED) وكشفت عنها صحيفة “الشرق الأوسط”، أظهرت أن خطاب التهدئة يخفي خلفه جملة من التناقض وأيضا تكتيك سياسي أمريكي غير واضح بالنسبة للاسرائليين.
الدراسة أكدت أن الحوثيين استمروا، منذ إعلان الاتفاق في ماي الماضي، في شن هجمات على إسرائيل، كما كشف تقرير المنظمة أن مسقط لعبت دور “الوسيط الهادئ” في صياغة اتفاق ينصّ فعليًا على تجنب استهداف السفن الأمريكية في البحر الأحمر وباب المندب، دون أي تعهد بوقف الهجمات تجاه إسرائيل أو الشحن الدولي.
اللافت أن عبد الملك الحوثي نفسه قلّل من أهمية الاتفاق، واصفًا إياه بـ”ملاحظة جانبية”، بينما عمدت الجماعة إلى نشر ما اعتبره التقرير “ملحق تحدٍّ”، أعادت فيه تأكيد عزمها مواصلة العمليات ضد إسرائيل.
الإعلام العبري بين التحذير والاتهام
تجدر الإشارة إلى أن جزءًا كبيرًا من ردود الفعل الغاضبة على الاتفاق، لا سيما التعبيرات التي تحمل طابعًا دراماتيكيًا مثل “ترامب باع إسرائيل” أو “ألقى بها تحت عجلات الحوثيين”، نُقلت عن وسائل إعلام إسرائيلية ومحللين عسكريين عبر قناة “كان” وصحيفة “يسرائيل هيوم”، وبعضها يعكس مخاوف حقيقية من تهميش الدور الإسرائيلي في التفاهمات الإقليمية الأمريكية الأخيرة.
كما تكشف الدراسة أن ساحة البحر الأحمر أصبحت مسرحًا لصراع مركب يتوزع على ثلاث جبهات متداخلة: الحوثيون في مواجهة إسرائيل، وفي مواجهة الشحن التجاري، وفي مواجهة الولايات المتحدة. ووفق الأرقام التي أوردتها، نفذ الحوثيون بين أكتوبر 2023 وماي 2025 أكثر من 520 عملية هجومية، استهدفوا خلالها 176 سفينة تجارية على الأقل، وشنّوا 155 هجومًا باتجاه الأراضي الإسرائيلية.
في المقابل، اعتمدت واشنطن نهجًا مزدوجًا في الرد: عبر عملية “سنتينل” البحرية لتأمين الممرات، وعبر أكثر من 774 غارة جوية نفذتها القوات الأمريكية خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2025 فقط، أسفرت عن سقوط نحو 550 قتيلًا، حسب التقديرات.
يخلص التقرير إلى أن فاعلية الحوثيين لا تُقاس فقط بعدد الهجمات، بل بقدرتهم على فرض “تصور دائم للتهديد”، يربك ممرات التجارة العالمية ويحرج التحالفات الإقليمية. ووسط هذا المشهد، تبدو التهدئة المعلنة مجرد واجهة سياسية لاتفاق جزئي، يُراعي مصالح محددة دون معالجة جذرية للصراع.
وفي ظل هذا الواقع، تبقى إسرائيل تشعر بأنها مستثناة من كل الحسابات، وهو ما يعكسه المزاج السائد في الإعلام العبري، ويثير تساؤلات حول حدود التحالف بين واشنطن وتل أبيب، لا سيما في ظل تغير قواعد الاشتباك في المنطقة.
الشكوك التي أثيرت في الإعلام الإسرائيلي بشأن اتفاق ترامب مع الحوثيين لا تقف عند حدود البحر الأحمر, بل تمتد, وبقوة إلى ملفات أخرى مفتوحة، مثل مبادرات وقف إطلاق النار في غزة والرسائل غير المباشرة التي تبعث بها واشنطن إلى طهران، بشأن خفض التصعيد في الخليج ومضيق هرمز.
من وجهة نظر إسرائيلية، تتكرّر المبادرات ذاتها, تفاهمات غامضة، تُبنى دون تنسيق حقيقي مع تل أبيب، وتُغلّف بخطاب تهدئة، بينما يبقى التهديد الفعلي, سواء من غزة أو لبنان أو إيران, حاضرًا ومتصاعدًا.
في هذا السياق، بدأت تحليلات إسرائيلية، منها ما صدر في صحيفة هآرتس ومراكز كـINSS، تتساءل عمّا إذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى سلام حقيقي لإسرائيل، أم أنها تقوم فقط بـإعادة تموضع استراتيجي يخفّف عنها كلفة المواجهة المباشرة في الشرق الأوسط، في إطار توجهها العام نحو التركيز على آسيا واحتواء الصين.
قد لا يكون هدف الولايات المتحدة اليوم هو تحقيق “سلام دائم لإسرائيل”، وإنما تهدئة تكتيكية تسمح لها بإعادة تنظيم أولوياتها الكبرى, وهذا ما يدفع دوائر صنع القرار في إسرائيل إلى إعادة تقييم تحالفها الاستراتيجي مع واشنطن، وطرح تساؤلات غير مسبوقة, هل لا تزال إسرائيل محورًا في استراتيجية أمريكا، أم أصبحت مجرّد بند ثانوي في جدول مزدحم بالتحوّلات العالمية؟
الرئيس تبون ومعادلة الفساد والتقصير










و على هذا نقول أن نضرتك التاقبة أو التحليلية فيما يخص إسرائيل صحيحة مئة بالمئة
امريكا راهي تدفع بالجيل القديم يقلع للمروك و يخلفها الجيل الجديد…. بلا ما ندخلو فلي ديطاي
مشهور أخي النواري 🇩🇿❤️