بعد روسيا، الجزائر وأمريكا، أوروبا تشتبك مع مورد آخر لها بالطاقة

في الوقت الذي تسعى فيه أوروبا إلى تعزيز استقلالها الطاقوي بعد صدمة الحرب الروسية الأوكرانية، تجد نفسها اليوم محاصرة على أكثر من جبهة. فمن جهة، الغاز الروسي شبه متوقف، ومن جهة أخرى، يشير الخلاف مع الجزائر إلى إمكانية توظيف هذه الأخيرة لورقة الغاز، فيما تدخل قطر على الخط بتهديد صريح بتحويل صادراتها من الغاز بعيداً عن القارة العجوز.
منذ بداية الحرب في أوكرانيا، فقدت أوروبا أكثر من 40% من وارداتها من الغاز الروسي. المبادرة الأوروبية بالاستغناء عن موسكو كانت، بدفع من واشنطن، سياسية بامتياز، وبعيدة كل البعد عن مبدأ الحفاظ على المصالح الاقتصادية للإتحاد، وهو ما أدى إلى ارتفاع الأسعار، تضخم فاتورة الإنتاج مما حول المصانع في ألمانيا والنمسا إلى أجساد بلا روح أمام غلاء الطاقة، وهذا رغم الدعم الحكومي.
في خضم هذه الأزمة، اقترحت الولايات المتحدة نفسها كبديل لروسيا، لكنها لم تفعل ذلك مجانًا. فأسعار الغاز الأمريكي أعلى بنسبة 30 إلى 40%، وشروط التوريد الفوري أو العقود القصيرة المدى أبقت أوروبا في حالة من الاختناق الطاقوي المزمن”.
بعض الأصوات داخل الاتحاد الأوروبي بدأت تتساءل: هل وقعت أوروبا في فخ استراتيجي أمريكي؟ هل أصبح الغاز أداة أخرى للهيمنة بعد الناتو؟
وسط هذه الهشاشة، برزت الجزائر كلاعب رئيسي. الدولة المغاربية التي تزود أوروبا بأكثر من 11% من احتياجاتها من الغاز عبر أنابيب “ميدغاز” و”ترانسميد”، تشعر أنها لا تُعامَل كشريك استراتيجي، بل كمجرّد مورد.
التوتر مع مدريد، الفتور مع باريس، والفتنة الصامتة مع بروكسل جعلت من الغاز ورقة ضغط محتملة، خصوصاً في ظل حملات إعلامية تستهدف المواقف السيادية الجزائرية، على رأسها الملف الصحراوي والتحالفات الدولية الجديدة.
الجزائر لم تصرّح رسميًا بنية خفض الإمدادات، لكنها لوّحت في أكثر من مناسبة بأن الاستقرار الطاقوي مرتبط بالاحترام السياسي.
وفي تطور مفاجئ، أبلغت قطر مؤخرًا الاتحاد الأوروبي بأنها قد توقف شحنات الغاز الطبيعي المسال، إذا تمسّك الاتحاد بتوجيهاته البيئية الجديدة (CSDDD)، التي تفرض “خطط انتقال مناخي” على الشركات الموردة، بما فيها “قطر للطاقة”. الدوحة اعتبرت هذه الشروط تدخلاً في سيادتها الوطنية، ولوّحت بتوجيه الغاز إلى أسواق آسيوية أكثر “مرونة وتناغمًا”.
إذا استمرت أوروبا في دفع دولها لتوتير علاقاتها مع الجزائر، واستفزاز قطر بقوانين جديدة، والدخول في مواجهة مع الإدارة الأمريكية، فإنها قد تضع تماسك اتحداها تحت ضغط سيدفعها حتما إلى الانتقال إلى حالة من التفكك العلني، وبالتالي الانسحاب الجماعي من اتفاقية الوحدة الأوروبية.










شكرا مزيد من التألق سي نواري