الحدثعربي

تزاحم وليي العهد على كرسي الحكم في خطاب العرش: إشعار بوجود صراع خفي على التوريث؟

في مشهد نادر الحدوث ومشحون بالدلالات، وثّقت عدسات الكاميرات لحظة قصيرة لكنها لافتة خلال مراسم خطاب العرش المغربي: ولي العهد الأمير الحسن بن محمد، وشقيق الملك الأمير مولاي رشيد، يتقدمان معًا في لحظة واحدة لتعديل كرسي العرش قبل جلوس الملك محمد السادس. المشهد بدا، في ظاهره، مجرد فعل بروتوكولي؛ لكنه، عند تفكيكه، يكشف عن صراع رمزي على مركز السلطة داخل العائلة الملكية، ويفتح الباب أمام فرضية أن مسألة التوريث لم تُحسم نهائيًا داخل هرم النظام.

لطالما عُرف النظام الملكي المغربي بصرامته في ضبط البروتوكول، خصوصًا خلال المناسبات الكبرى مثل عيد العرش. فكل حركة، كل وقوف أو جلوس، وكل إشارة جسدية تُحسب بدقة وتُحمَّل برسائل للداخل والخارج. لذلك، فإن تزاحم الأمير مولاي رشيد وهو شقيق الملك مع ولي العهد الأمير الحسن بن محمد على كرسي العرش، لا يمكن أن يُقرأ على أنه مجرد سلوك عفوي، بل يعبّر عن شيء أعمق.

الأمير مولاي رشيد، لم يتراجع يومًا عن المشهد الملكي. فقد مثّل المغرب في مناسبات دولية رفيعة، وأدار بعض الملفات الرمزية، واحتفظ بحضور قوي إلى جانب شقيقه الملك. غير أن المعادلة تغيّرت تدريجيًا مع صعود نجم ولي العهد، الذي أصبح يمثّل الوجه الشاب للملكية، ويُقدَّم بوصفه “ملك المستقبل”.

ومع هذا التحول، بدا أن موقع مولاي رشيد لم يُعد تعريفه بوضوح: هل هو مستشار ظل نافذ داخل القصر؟ أم منافس صامت على النفوذ؟ أم مجرد “الأخ الداعم” الذي يحرس على الاستمرارية؟
تزاحمه اليوم  مع ولي العهد على تعديل الكرسي أمام الملأ قد يكون تعبيرًا لا واعيًا عن استمرار رغبته في لعب دور مركزي، أو على الأقل رفضه للتهميش الكامل.

المشهد يعيد إلى الواجهة إشكالية جوهرية: هل تم فعلاً حسم مرحلة ما بعد محمد السادس داخل المؤسسة الملكية؟
ولي العهد موجود، يحظى بالرعاية، ويُدفع تدريجيًا إلى الواجهة. لكن استمرار شقيق الملك في احتلال مواقع رمزية بارزة، دون وجود “توزيع واضح للوظائف داخل العائلة”، قد يكرّس نوعًا من الازدواجية داخل النظام، أو أن يكون القرار الغالب داخل دوائر الحكم الملكي يميل نحو تقاسم هادئ للنفوذ بين ولي العهد وشقيق الملك.

هذه الصيغة قد تُفضي إلى نوع من “التعايش داخل العرش”، يفرض تدريجيًا إعادة بناء النموذج الملكي المغربي، نحو شكل أشبه بملكية فيدرالية، حيث يصبح القرار مؤسّسًا على توازن بين رموز العائلة، لا على احتكار فردي للسلطة.

في مقابل هذه التأويلات، لا يزال الخطاب الرسمي يُقدّم صورة بسيطة ومتماسكة ملك  وولي عهد يشكلان الاستمرارية.
لكن الواقع  كما كشفه المشهد القصير أكثر تعقيدًا.
فالملك لم يُعلن يومًا عن أي إعادة توزيع للوظائف داخل العائلة، كما أن موقع الأمير مولاي رشيد لم يُحدّد بدقة في النظام السياسي. وهذا الغموض هو ما يسمح للرموز بالتناطح في المساحات الرمزية، كما حدث أمام كرسي العرش.

تزاحم ولي العهد وشقيق الملك على تعديل كرسي العرش، كان لحظة صامتة لكنها صاخبة في دلالاتها. لحظة قد تعكس تداخلاً في مراكز القرار داخل العائلة الملكية، أو ربما تمهيدًا لتقاسم أدوار لا يمكن أن يتحقق دون تعديل ضمني في بنية النظام الملكي.

وبناءً على هذه المؤشرات، يمكن القول إن القرار الغالب داخل أروقة الحكم يميل إلى فرض صيغة جديدة لتقاسم السلطة بين ابن الملك وشقيقه، وهو أمر لا يمكن تحقيقه دون مراجعة الدستورية، وربما الاتجاه نحو نظام ملكي مزدوج التأثير، في إطار ملكية مرنة قادرة على استيعاب التعدد داخل وحدة العرش.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى