
في واحدة من أكثر العمليات الاستخباراتية تعقيدًا، التي كشفت عنها وسائل الإعلام العبرية ونشر موقع “تايمز أوف إسرائيل” تفاصيلها استنادًا إلى مقابلة ضباط سابقين في الموساد ضمن برنامج 60 Minutes على قناة CBS، تحوّلت أجهزة النداء التي طلبها حزب الله كبديل عن الهواتف المحمولة إلى أداة قتل مباغتة. وفق الرواية الإسرائيلية، نجح الموساد في تمرير شحنة مزيفة ومفخخة عبر شركات وهمية، مستخدمًا إعلانات مزيفة على يوتيوب، وصالات عرض وهمية، وشركات واجهة في أوروبا وآسيا، لإقناع الحزب بشراء أجهزة أكبر قليلًا من المعتاد لإخفاء المتفجرات داخلها.
هذه العملية، التي وُصفت بأنها نتاج “عشر سنوات من التحضير”، تضمنت اختيار نغمة استدعاء مُلحّة لإجبار المستخدم على إخراج الجهاز فورًا، وضبط الشحنة بحيث تؤذي حامل الجهاز فقط. في 17 سبتمبر 2024، فجّر الموساد آلاف أجهزة النداء التي كان بحوزة عناصر الحزب في لبنان، ما أدى إلى مقتل أكثر من عشرين شخصًا وإصابة المئات. وفي اليوم التالي، فجّرت إسرائيل مئات أجهزة اللاسلكي، بعضها أثناء تشييع ضحايا اليوم السابق.
لكن الوجه الإنساني لهذه العملية المميتة، وثقته وكالة أسوشيتد برس في تقرير مصوّر مؤثر، جمع شهادات وصورًا لضحايا الهجوم الذين ما زالوا يواجهون آثار الإصابات بعد شهور من الحادث. من بينهم:
زينب موسترا، التي فقدت البصر مؤقتًا وأطراف ثلاثة أصابع، وقالت إنها اعتقدت في البداية أن انفجارًا كهربائيًا أصابها، قبل أن تكتشف أن جهاز نداء أحد أقاربها كان السبب. نُقلت إلى إيران للعلاج، وأول ما رأته بعد عشرة أيام من الظلام كان وجه والدتها.
مهدي شري، مقاتل شاب فقد عينه اليسرى بعد أن ضغط على زر “موافق” في جهازه الذي أصدر صفيرًا غير مألوف. تزوج بخطيبته عبر مكالمة فيديو أثناء وجوده في المستشفى بالعراق.
حسين ديني، طفل في الثانية عشرة من عمره، التقط جهاز والده فانفجر في وجهه، ما أدى إلى فقدان إحدى عينيه، وبتر أصابع، وفقدان جزء من أنفه وأسنان كثيرة جمعت بعضها من الأريكة بعد الانفجار.
سارة جابيل، التي خضعت لـ45 عملية جراحية خلال تسعة أشهر، وما زالت تنتظر المزيد لترميم وجهها وأصابعها، وتقول إن مساعدة الآخرين من الضحايا تخفف عنها آلامها.
الصور التي نشرتها أسوشيتد برس تظهر ندوبًا على الوجوه، وأطرافًا مبتورة، ونظرات صادمة تروي ما لا تسعه الكلمات. شهادات الناجين تكشف أن معظمهم لن يتعافى بالكامل، وأن حياتهم انقلبت رأسًا على عقب بين لحظة وأخرى.
العملية لم تكن مجرد استهداف لمعدات اتصال، بل كانت رسالة استراتيجية، ورسمة دامية على ملامح الصراع بين حزب الله وإسرائيل، حيث لا تنتهي الحرب عند حدود الجبهة، بل تمتد إلى البيوت.
الرئيس تبون ومعادلة الفساد والتقصير









