
في مقال مطوّل نشرته صحيفة لوموند الفرنسية، تمّ توصيف الوضع السياسي في المغرب بكونه يشهد “أجواء نهاية عهد” للملك محمد السادس. تعبير يبدو في ظاهره توصيفًا صحفيًا، لكنه في العمق يعكس حالة من القلق وعدم اليقين التي تسيطر على الساحة المغربية، بين ملك تتضارب الصور حول وضعه الصحي، وولي عهد يخطو مترددا وضعيفا سياسيا نحو واجهة السلطة.
توقفت لوموند عند مشاهد متناقضة: ففي طنجة ظهر الملك جالسًا على كرسي أثناء صلاة العيد، عاجزًا عن أداء السجود، وهو ما فسّره البعض كإشارة على تراجع وضعه الصحي. وفي المقابل، انتشر مقطع فيديو له وهو يقود دراجة مائية (جت-سكي)، على مياه أحد شواطئ المملكة في صورة مغايرة توحي بالعافية والحيوية في تناقض صارخ بين الضعف العلني الرسمي والنشاط الشخصي يُثير تساؤلات عميقة حول غياب شفافية المؤسسة الملكية في إدارة صورة الملك.
تشير الصحيفة إلى أنّ الأمير المولى الحسن، البالغ من العمر 22 عامًا، بدأ يفرض حضوره بشكل أكبر في المشهد العام، سواء عبر مشاركاته الرسمية أو من خلال ظهوره إلى جانب والدته الأميرة للا سلمى بعد غياب طويل. هذا الظهور لا يمكن قراءته بمعزل عن رغبة القصر في إعداد انتقال سلس للسلطة، بحيث يكون ولي العهد جاهزًا لتحمل المسؤولية عند الضرورة.
تسلّط لوموند الضوء على النفوذ الاقتصادي الكبير للعائلة الملكية، لاسيما عبر مجموعة سيجير في مجالات العقار والطاقة، وعلى الدور البارز لرئيس الحكومة ورجل الأعمال عزيز أخنوش. هذا التداخل بين السياسة والاقتصاد يثير انتقادات واسعة، ويُنظر إليه كعامل يعمّق شعور الإقصاء لدى فئات من الشعب، خصوصًا مع تفاقم البطالة والفوارق الاجتماعية.
اللافت أنّ وسائل الإعلام الموالية للقصر تهاجم غالبًا المستشارين أو المحيطين بالملك، لكنها نادرًا ما تمسّ صورته بشكل مباشر. وهو ما يعكس استمرار قدسية الملك كخط أحمر داخل الفضاء الإعلامي والسياسي المغربي.
بين تضارب صور الملك، وصعود ولي العهد، وهيمنة القصر على الاقتصاد، تبدو ملامح مرحلة جديدة تتشكّل في المغرب. “نهاية العهد” التي تحدثت عنها لوموند ليست بالضرورة نهاية حكم، بل أقرب إلى وصف انتقال تدريجي، تحاول فيه المؤسسة الملكية أن تُبقي على استقرارها الداخلي، وفي نفس الوقت أن تهيّئ الأرضية لولي العهد.
لكن التعليق الأهم، هو أنّ هذه المرحلة الانتقالية لا يمكن أن تنجح ما لم تُفتح مساحات جديدة من الشفافية والمشاركة السياسية، وإلا فإن تراكم الغموض سيحوّل الانتقال المرتقب إلى مصدر هشاشة للنظام ككل بدل أن يكون ضمانة استقرار له.
مقال لوموند يسلّط الضوء على تناقضات حكم محمد السادس وهو في نهاياته، لكن التعليق الأعمق يكشف أن المغرب مقبل على مرحلة إعادة تموضع للسلطة، حيث سيتحدد مستقبل البلاد بين خيارين: انتقال ملكي هادئ، أو تصاعد حالة التوتر الشعبي والسياسي إذا ظل الغموض مسيطرًا.









