الحدث

الجزائر | أزمة دستورية تلوح في الأفق؟

تشهد المؤسسة التشريعية في الجزائر حالة غير مسبوقة من الجدل، بعد قرار المحكمة الدستورية إسقاط نحو عشرين مادة من النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني بدعوى عدم دستوريتها، متزامنة مع قرار مكتب المجلس تأجيل افتتاح الدورة البرلمانية 2025/2026، في خطوة وُصفت بالخرق الصريح للدستور.

المحكمة الدستورية، وبناءً على إخطار من رئيس الجمهورية باعتباره حامي الدستور، اعتبرت أن عدداً من المواد التي صادق عليها النواب في مارس الماضي تُقيّد الحقوق الدستورية للمعارضة، وتمسّ بجوهر الممارسة الديمقراطية داخل الهيئة التشريعية.
أبرز هذه المواد، المادة 92 التي منحت مكتب المجلس سلطة تقديرية واسعة لرفض مقترحات المعارضة المتعلقة بعقد جلسة شهرية للنقاش، مع الاكتفاء بتبرير الرفض. وهو ما رأت فيه المحكمة خرقاً للمادة 116 من الدستور التي تحصر حالات الرفض في سببين محددين: عدم اختصاص المجلس أو إدراج الموضوع ضمن جدول أعمال الدورة.

كما تحفظت المحكمة على المادة 38 التي تنص على إسقاط عضوية النائب في حال تغيبه المتكرر عن لجنتين فقط دون غيرهما، معتبرة أن ذلك يخلّ بمبدأ المساواة، إضافة إلى المادة 93 التي تسمح بعقد الجلسات بغض النظر عن عدد الحضور، وهو ما اعتُبر تقليصاً من شرعية النقاش البرلماني.

تأجيل الدورة: سابقة دستورية

الجدل لم يتوقف عند هذا الحد، إذ فجّر مكتب المجلس الشعبي الوطني أزمة جديدة حين قرر، بتاريخ 31 أوت الماضي، تأجيل افتتاح الدورة البرلمانية، خلافاً لما تنص عليه المادة 138 من الدستور التي تحدد موعدها بشكل واضح في ثاني يوم عمل من شهر سبتمبر.

حركة مجتمع السلم، أكبر قوة معارضة في البرلمان، وصفت القرار بـ”الانتهاك الصريح للدستور”، محذّرة من خطورته على مبدأ الفصل بين السلطات، وأعلنت نيتها اللجوء إلى المحكمة الدستورية. الحركة اعتبرت أن احترام المواعيد الدستورية ليس مجرد إجراء إداري، بل ضمانة لسيادة المؤسسة التشريعية واستقلالها عن الأجندة التنفيذية.

تزامن إسقاط المواد المثيرة للجدل مع قرار تأجيل الدورة يعكس، بحسب نواب المعارضة، مساراً متصاعداً لتهميش الدور التشريعي والرقابي للبرلمان. فقد سبق أن اشتكوا من تعطيل مقترحاتهم، ومنع بث مداخلاتهم، وحتى من نشر ردود الحكومة على أسئلتهم عبر وسائل الإعلام بدلاً من مناقشتها تحت قبة المجلس.

أزمة دستورية تلوح

تبرير التأجيل بالظرف الاقتصادي والاجتماعي لم يُقنع المعارضة التي ترى فيه ذريعة لتبرير خرق النصوص الدستورية. كما أن انعكاساته العملية واضحة: تعطيل ملفات أساسية مثل عرض بيان السياسة العامة للحكومة، ومناقشة قانون المالية، والإصلاحات السياسية المرتبطة بالحوار الوطني.

هذا المشهد المركب يكشف عن مأزق أعمق: محدودية دستور 2020 الذي أفرز ثغرات تسمح بتأويلات متناقضة، ما يفتح الباب أمام دعوات متزايدة لإعادة النظر في بنيته قبل أن تتحول هذه الاختلالات إلى أزمة سياسية ومؤسساتية أوسع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى