خطاب الرئيس تبون أمام القادة الأفارقة بمناسبة الطبعة الرابعة لمعرض التجارة البينية الإفريقية.

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين،
أصحاب الفخامة السيدات والسادة رؤساء الدول والحكومات،
أصحاب المعالي الوزراء،
السيدات والسادة ممثلو المنظمات الإقليمية والدولية،
ضيوفنا الكرام، أسرة الإعلام،
يسعدني ويشرفني أن أرحب بكم جميعاً في الجزائر بمناسبة الافتتاح الرسمي للطبعة الرابعة لمعرض التجارة البينية الإفريقية الذي تحتضنه الجزائر بكل فخر واعتزاز.
إن هذه الطبعة تنعقد في ظرف عالمي بالغ الدقة والحساسية، ظرف تتسارع فيه الأحداث على نحو غير مسبوق، وتتضاعف فيه المخاطر التي تهدد بانهيار منظومة العلاقات الدولية القائمة. هذه المنظومة باتت اليوم مهددة في كيانها ووجدانها، وفيما تقوم عليه من قواعد ومؤسسات سياسية كانت أو أمنية أو اقتصادية. والخشية كل الخشية أن تكون إفريقيا، قارتنا العزيزة، مرة أخرى إحدى أبرز ضحايا هذه الأوضاع المتدهورة، بتغييب أولويتها وإخفات صوتها وتهميش دورها في مسار إعادة تشكيل النظام العالمي، رغم ما تختزنه من مقدرات وإمكانات وطاقات.
من هذا المنظور، فإن لقاءنا اليوم ليس مجرد تظاهر اقتصادي، بل هو تجسيد لوعي جماعي نحو بناء قارة متكاملة، قوية الإرادة، فاعلة في محيطها الإقليمي والدولي.
همّنا اليوم اقتصادي بامتياز، وهمّ مصيري يستوقفنا جميعاً لنطرح السؤال الجوهري: أين تقف إفريقيا اليوم من الاقتصاد العالمي برمته؟
لا ننكر أننا أحرزنا إنجازات معتبرة خلال العقدين الماضيين، من أبرزها تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وانضمام الاتحاد الإفريقي إلى مجموعة العشرين، وكذا ربط علاقات شراكة مع أكبر القوى والمنظمات الاقتصادية في العالم. غير أن الطريق لا يزال طويلاً أمامنا لتصحيح المظالم التاريخية في حق إفريقيا، ولافتكاك المكانة التي تليق بها في الاقتصاد العالمي.
وهنا أود أن أستعرض بعض المعطيات البالغة الوضوح والدلالة:
-
المعطى الأول: أن إفريقيا لا تزال مغيبة في صنع القرار الاقتصادي العالمي، بحكم تهميشها في أغلب المؤسسات الاقتصادية والتجارية والمالية الدولية. فمثلاً، لا تتجاوز حصة الدول الإفريقية مجتمعة 6.5% من حقوق التصويت في صندوق النقد الدولي، وهي الحصة الأضعف على الإطلاق داخل هذه المنظمة. أما في البنك العالمي فلا تتجاوز 11%. وبخصوص منظمة التجارة العالمية، فرغم أن إفريقيا افتكت لأول مرة منصب المدير العام، إلا أن هذا المكسب لا يغطي حقيقة محدودية تأثيرها في صناعة قرار هذه المنظمة.
-
المعطى الثاني: أن حصة إفريقيا من التجارة العالمية لا تتجاوز 3%، وهو رقم ضئيل جداً إذا ما قورن بما تمتلكه قارتنا من موارد تشكل 30% من الثروات الطبيعية العالمية، وبما تحتضنه من أكثر من مليار ونصف نسمة يشكلون سوقاً استهلاكية صاعدة هائلة. كما أن حصتها من تدفقات الاستثمارات العالمية لا تتجاوز 94 مليار دولار سنوياً، أي 6% من إجمالي هذه التدفقات.
-
المعطى الثالث: أن التجارة البينية الإفريقية لا تزال في حدود 15% فقط، بينما تبلغ التبادلات البينية الأوروبية 60%. هذا الواقع يحرم اقتصاداتنا من فرص كبيرة للنمو وتوفير ملايين مناصب الشغل لشبابنا.
-
المعطى الرابع: أن إفريقيا تعاني فجوة عميقة في البنية التحتية للنقل والطاقة والاتصالات والتمويل، تُقدّر بنحو 90 مليار دولار سنوياً، ما يكلف القارة انخفاضاً بنسبة 2% من ناتجها المحلي الإجمالي سنوياً.
إن هذه المعطيات لا يجب أن تحد من عزيمتنا، بل على العكس ينبغي أن تكون دافعاً للاستنهاض الجماعي لتحويل واقعنا القاري إلى نجاح مستحق للتنويه.
والجزائر لن تكون إلا طرفاً فاعلاً في هذا المسعى، وهي التي أخذت على عاتقها المساهمة قدر المستطاع لصالح الأجيال الحالية والمستقبلية. وتتمثل مساهمتنا في عدة أوجه، أذكر منها على سبيل المثال:
المشاريع الهيكلية الكبرى ذات البعد القاري:
-
-
الطريق العابر للصحراء الذي سيربط الجزائر بمعظم دول الساحل الصحراوي.
-
مشروع أنبوب الغاز الجزائري-النيجيري لتأمين الطاقة والتنمية لعدة دول.
-
مشروع الألياف البصرية لتحقيق السيادة الرقمية وتعزيز الابتكار.
-
تعزيز وسائل التواصل مع الدول الإفريقية:
-
-
خط السكة الحديدية من أدرار إلى مالي، وخط السكة الحديدية من تمنراست إلى النيجر.
-
إطلاق رحلات جوية جديدة مع عدة دول إفريقية.
-
فتح خط بحري مع دول شمال وغرب القارة.
-
توفير مقومات التجارة البينية الإفريقية:
-
-
إنشاء خمس مناطق للتبادل الحر مع دول المغرب العربي والساحل.
-
افتتاح فروع للبنوك الجزائرية في إفريقيا.
-
تدشين ممثليات تجارية في عدة دول.
-
لقد تأخرنا في ذلك، واليوم نتدارك ما فات. لم يعد مقبولاً أن يضطر الإفريقي للمرور عبر عاصمة أوروبية للوصول إلى بلد إفريقي شقيق.
تثمين الطاقات البشرية:
-
-
الجزائر توفر سنوياً 8000 منحة دراسية للطلبة الأفارقة.
-
منذ الاستقلال، ساهمت الجزائر في تكوين أكثر من 65 ألف إطار إفريقي.
-
محو ديون 14 دولة إفريقية بقيمة 1.5 مليار دولار، في صمت وبدون دعاية.
-
هذه كلها شواهد على أن الجزائر إفريقية الهوى والانتماء، ومتيقنة أن مستقبلها في إفريقيا.
إن نجاح منطقة التجارة الحرة القارية يتوقف على قدرتنا الجماعية على إقامة بنية تحتية متكاملة. نأمل أن تصل الموانئ الجزائرية بعد خمس أو ست سنوات لتستقبل بضائع الدول الإفريقية غير الساحلية، وتنقلها بالقطار في 24 ساعة فقط.
الجزائر اليوم، بعد أن أدارت ظهرها لإفريقيا، تتوجه بقوة ويقين نحو قارتها.
نحن بحاجة إلى مضاعفة الجهود وحشد الطاقات وتوحيد المساعي لتحويل منطقة التجارة الحرة القارية إلى أداة فعلية للتنمية، ونقطة انطلاق نحو استعادة إفريقيا لمكانتها المستحقة على الساحة الدولية، في سلم وأمن وأمان.
فلنجعل من هذه الطبعة الرابعة منطلقاً جديداً وعهداً متجدداً، نسير فيه بخطى ثابتة نحو إفريقيا قوية متضامنة مزدهرة، تصنع غذاءها وتستثمر ثرواتها لصالح أبنائها، وتنتزع مكانتها عن جدارة في عالم اليوم والغد.
هذه كلمات عاطفية، لكنها نابعة من القلب. نحن نناضل من أجل تنمية إفريقية حقيقية. إفريقيا ليست حقل تجارب للأسلحة الأجنبية، بل تحتاج للتنمية. ومن أراد وقف الهجرة، فليساعد في تنمية بلدان إفريقيا ومنح شبابها فرص العمل.
نسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما فيه خير قارتنا.










والله خطاب يزلزل الوجدان تحيا الجزائر تحيا السيد الرئيس تبون دام عزك الجزائر 🇩🇿 🇩🇿 🇩🇿 🇩🇿