داعش ـ قراءة استشرافية في البنية والتهديدات، من المركز إلى الأطراف.
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا

المقدمة
يستمر تنظيم “داعش” في تشكيل أحد أبرز التحديات الأمنية العالمية، رغم مرور أكثر من نصف عقد على انهيار ما كان يُعرف بـ”الخلافة المزعومة” في العراق وسوريا. فالتنظيم الذي خسر الأرض والموارد لم يفقد قدرته على التكيّف وإعادة إنتاج نفسه، سواء عبر خلايا نائمة أو ولايات فرعية تنتشر في آسيا وإفريقيا وأوروبا. وقد أظهرت السنوات الأخيرة أن الهزيمة العسكرية لم تُترجم إلى انهيار تنظيمي أو أيديولوجي، بل أسهمت في دفع “داعش” نحو مرحلة جديدة من اللامركزية العملياتية، والتخفّي الاستخباراتي، وإعادة بناء شبكاته العابرة للحدود.
.يهدف هذا الملف إلى استشراف قدرات تنظيم داعش في أوروبا والعالم، وتحليل ما إذا كان التنظيم يتجه نحو إعادة التمركز أو أنه تحول فعليًا إلى بنية شبكية مرنة يصعب استئصالها. كما يسعى إلى الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الجوهرية: هل ما زال التنظيم يحتفظ بهيكل قيادة مركزية ؟ وأين تتوزع مراكزه النشطة اليوم؟ وما مدى قدرته على تنفيذ عمليات واسعة تهدد الأمنين الإقليمي والدولي؟
يتناول الملف في دراساته الثلاث واقع التنظيم في العراق وسوريا، وعلاقته بالتحديات الأمنية والسياسية التي تواجه الحكومتين هناك، مع تحليل لاحتمالات تمدد نشاطه من الأراضي السورية إلى الداخل العراقي. وفي المقابل، ترصد الدراسة الثالثة خريطة انتشار التنظيم عالميًا، ولا سيما في القارة الأوروبية، حيث ما يزال يشكّل مصدر قلق استخباراتي بسبب نشاط الخلايا الفردية، وخطورة المقاتلين العائدين، واستمرار الدعاية الجهادية عبر الفضاء الرقمي. يسعى هذا الملف في مجمله إلى تقديم قراءة أمنية واستراتيجية شاملة حول تحولات تنظيم داعش حتى عام 2025، عبر تقييم بنيته وقياداته وانتشاره الجغرافي، وتقدير مدى استمرارية تهديده كفاعل غير دولتي عابر للحدود في النظام الدولي الجديد.
1 ـ داعش، هل تحوّل التنظيم من بنية مركزية إلى شبكة لا مركزية؟
دخل تنظيم “داعش”مرحلة جديدة من التحول البنيوي والأيديولوجي والعملياتي منذ سقوط ما سُمّيت بـ دولة “الخلافة” في العراق وسوريا عام 2019، . فقد تلاشت سيطرته الإقليمية التي امتدت في ذروتها إلى نحو (88) ألف كيلومتر مربع، وتحول من كيان يفرض سلطة إدارية وجبائية على الأرض إلى شبكة من الخلايا والمجموعات الموزعة في مناطق متفرقة من آسيا وإفريقيا. ومع ذلك، لم يؤدِّ هذا الانكماش الجغرافي إلى إنهاء التنظيم كما كانت تأمل القوى الدولية، بل أعاد تشكيل نفسه في صورة أكثر مرونة وقدرة على الصمود، تجمع بين مركز رمزي في العراق وسوريا وبين “ولايات” شبه مستقلة تعمل وفق ظروفها المحلية.
تراجع السيطرة الإقليمية وبروز اللامركزية العملياتية
فقد التنظيم قدرته على السيطرة على الأراضي وتحصيل الموارد عبر الضرائب والجبايات مع سقوط آخر معاقل “داعش” في الباغوز السورية في مارس 2019، أدى ذلك إلى تحوّل عميق في هيكله التنظيمي، من كيان هرمي قائم على “المركز” و”الولايات”، إلى شبكة مرنة من الخلايا المستقلة ذاتيًا. كشفت تقارير الأمم المتحدة (2023–2024) إلى أن التنظيم بات يعتمد على “اللامركزية العملياتية” بوصفها إستراتيجية للبقاء، حيث لم يعد يوجه عملياته من قيادة مركزية واضحة، بل يمنح الولايات حرية التخطيط والتنفيذ وفقًا للظروف الميدانية. هذه البنية الشبكية أتاحت له التمدد الجغرافي وتخفيف الضغط الأمني، تواصل فروعه في غرب إفريقيا والساحل وخراسان تنفيذ هجمات نوعية دون تنسيق مباشر. لقد استلهم التنظيم هذه اللامركزية من تجربة تنظيم القاعدة بعد عام 2001، لكنه طوّرها في سياق أكثر اتساعًا، إذ أصبحت “البيعة” للمركز رمزية أكثر منها عملياتية، وهو ما يفسر قدرة فروعه على التكيّف.
العلاقة بين “المركز”، العراق وسوريا و”الولايات” في آسيا وإفريقيا
مثلت العراق وسوريا النواة العقائدية والرمزية لـ”داعش”، لكن السيطرة الفعلية للمركز على الولايات باتت محدودة. وفقًا لتقارير “مجموعة المراقبة التابعة لمجلس الأمن”، أصبحت العلاقة بين المركز والولايات تعتمد على “نظام تفويض” ، أي نظام تفويض لا قيادة مباشرة. على سبيل المثال، تعمل “ولاية خراسان” في أفغانستان كيان مستقل إداريًا وماليًا، حيث تمتلك مواردها وقيادتها الخاصة، وتتبنى أحيانًا توجهات مغايرة للتنظيم، خاصة في عدائها لطالبان ورفضها لأي تسوية سياسية. بينما تعتمد ولايات إفريقيا، مثل “ولاية غرب إفريقيا” (ISWAP) في نيجيريا و”ولاية الصحراء الكبرى”، على تحالفات قبلية ومحلية لبناء نفوذها، وتُظهر مرونة في الأيديولوجيا والممارسات بما يتلاءم مع بيئاتها الاجتماعية. هذه البنية المتعددة الأقطاب جعلت من “داعش” أشبه بشبكة عالمية للتطرف العنيف، لا تخضع لتوجيه مركزي، لكنها تتشارك الأهداف الكبرى: نشر “الجهاد” العالمي، وإسقاط الأنظمة المحلية، ومواجهة القوى الغربية.
القيادة الحالية للتنظيم، هوية الزعيم الجديد بعد مقتل أبرز القادة
فقد التنظيم ثلاث قيادات متعاقبة في أقل من أربع سنوات منذ مقتل أبو بكر البغدادي في أكتوبر 2019، أبرزهم أبو إبراهيم القرشي (قُتل 2022)، وأبو الحسن الهاشمي القرشي (قُتل نهاية 2022)، وأخيرًا الزعيم الرابع الذي أعلن عنه في أغسطس 2023 باسم “أبو حفص الهاشمي القرشي”، وهو اسم حركي لم تُعرف هويته الحقيقية بعد. هذا الغموض في الهوية جزء من إستراتيجية التنظيم الجديدة لحماية قيادته من الاختراق، إذ لم يعد الزعيم رمزًا أو قائدًا ميدانيًا كما كان البغدادي. تؤكد تقارير الاستخبارات الأميركية أن الزعيم الحالي يقيم غالبًا في مناطق حدودية بين العراق وسوريا، ويدير شبكة محدودة من الوسطاء الميدانيين. فغياب الحضور الإعلامي والشخصي للقيادة قلّل من مركزية التنظيم، لكنه في الوقت ذاته أتاح له التكيّف مع أسلوب الشبكات السرية التي لا تعتمد على “الزعيم الفرد”، بل على منظومة لامركزية من اللجان الشرعية والعسكرية والإعلامية.
يُشير تقرير صادر عن فريق مراقبة العقوبات التابع للأمم المتحدة في فبراير 2025 إلى تزايد القناعة بين الدول الأعضاء بأن زعيم تنظيم داعش هو “عبد القادر مؤمن”، قائد فرع التنظيم في الصومال. وبحسب التقرير، فقد تمت ترقية “مؤمن” إلى رئاسة المديرية العامة للولايات في “داعش”، ما يمنحه سلطة على فروع التنظيم في إفريقيا، في إطار تحول هيكلي نحو لامركزية العمليات بعيدًا عن معاقله التقليدية في العراق وسوريا. يقول “إدموند فيتون براون”، وهو مسؤول سابق في مكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة ومستشار كبير لمشروع مكافحة التطرف: “ربما اعتادوا على حقيقة أن الأمير أو الخليفة لا يُرى أو يُسمع عنه أبدًا”. وأضاف “فيتون براون:” “ربما يقولون إن أبو حفص الهاشمي القرشي هو الاسم الذي نطلقه على الخليفة. لن يعرف أحد على الإطلاق أنه صومالي. ولن يسمع أحد لهجة أفريقية. ولن يرى أحد شخصًا أفريقيًا على الإطلاق”.
ديناميات القيادة، خراسان وأفغانستان كنموذج
تُعتبر “ولاية خراسان” أبرز مثال على استقلالية القيادة داخل هيكل “داعش”. فهذه الولاية، التي تشكّلت عام 2015 من منشقين عن طالبان الباكستانية والأفغانية، تحولت إلى أحد أكثر فروع التنظيم نشاطًا، خصوصًا بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان عام 2021. يرى “كول بونزل” الباحث في معهد واشنطن: “أن خراسان تمثل مركز الثقل الجديد للتنظيم، نظرًا إلى قدراتها على التجنيد وتنفيذ العمليات ضد أهداف غربية وإقليمية، بما في ذلك الهجوم على مطار كابول 2021 وهجوم موسكو مارس 2024”. تقدم قيادات “داعش خراسان” نفسها وريثًا لدولة “الخلافة”، ما يعكس تحوّلًا داخل هرم القيادة نحو تعددية مراكز النفوذ بدل المركزية المطلقة. بعض التقارير الاستخباراتية تلمّح إلى أن “داعش” في العراق وسوريا” يعتمد على خراسان لتمويل وتدريب بعض العناصر، في تبادل أدوار يعكس ضعف التنسيق المركزي وقوة الفروع. مكافحة الإرهاب ـ الاتحاد الأوروبي يجدد عقوباته على داعش والقاعدة حتى عام 2026.
ما مصادر التمويل بعد سقوط الخلافة؟
أعاد “داعش” بعد انهيار منظومة الضرائب والجبايات في العراق وسوريا، هيكلة موارده المالية من خلال شبكات تمويل غير رسمية. هذا التنوع المالي عزّز استقلالية الفروع عن المركز، وأتاح لها إدارة مواردها الخاصة دون الاعتماد على خزائن التنظيم المركزية، ما عمّق الطابع الشبكي للهيكل. تشير تقارير الخزانة الأميركية 2023 إلى أن التنظيم يمتلك احتياطات مالية تتراوح بين (25 و50) مليون دولار، مودعة عبر وسطاء في العراق وتركيا ووسط آسيا. ومن أهم مصادر تمويله، التحويلات المشفّرة عبر العملات الرقمية، التي تُستخدم لنقل الأموال إلى الولايات. كذلك الابتزاز والفدية من عمليات الاختطاف في مناطق الساحل ونيجيريا. فضلًا عن الاستثمار في الأنشطة التجارية مثل تهريب الذهب والنفط والمخدرات في إفريقيا وسوريا. والدعم غير المباشر من شبكات متعاطفة عبر الإنترنت توفر تبرعات صغيرة متكررة. مكافحة الإرهاب ـ كيف سيؤثر تمدد داعش في إفريقيا على أمن أوروبا؟
وسائل التجنيد الحديثة، المنصات الرقمية
تطورت آليات التجنيد في “داعش” لتواكب عصر ما بعد الخلافة. فبينما كانت الدعاية سابقًا تتركز على سردية “الخلافة” والعيش في ظلها، باتت اليوم تتمحور حول “الثأر والانتقام” من القوى المعادية يستخدم التنظيم المنصات الرقمية المغلقة مثل (Telegram) و(Rocket.Chat)، ويعتمد على إنتاج محتوى متنوع بلغات متعددة. كما يركز على استهداف المهاجرين والمهمشين في أوروبا وآسيا الوسطى، مستفيدًا من الشعور بالاغتراب والظلم. وإلى جانب الفضاء الإلكتروني، يواصل التنظيم التجنيد في البيئات الهشة داخل إفريقيا (الساحل، الصومال، موزمبيق) حيث ضعف الدولة وغياب التنمية. فهناك أكثر من (60%) من المجندين الجدد في تلك المناطق لم يتعرضوا لتأثير أيديولوجي مباشر، بل انضموا لأسباب اقتصادية أو اجتماعية، ما يوضح مرونة الخطاب الدعائي.
أوضحت “إليسا دي أندا مادرازو”، رئيسة مجموعة العمل المالي، الشريك الوثيق للأمم المتحدة: “هناك زيادة ملحوظة في الترابط بين الأساليب المتنوعة وتكامل التقنيات الرقمية مع التقنيات التقليدية”. ويظل استخدام داعش للتقنيات الجديدة والناشئة والذكاء الاصطناعي يشكل تحديًا متزايدًا، لا سيما أن المجموعة تستخدم هذه الأدوات بشكل متزايد لجمع الأموال وإنشاء شبكة اتصالات أوسع. تقول “ناتاليا جيرمان”، رئيسة المديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب: “بينما نقف عند مفترق طرق التحول التكنولوجي وعدم اليقين الجيوسياسي، فإن تهديد الإرهاب أصبح أكثر انتشارًا وتعقيدًا”.
هل عاد التنظيم إلى مركزية القرار؟
تُظهر المؤشرات أن التنظيم لا يزال يحتفظ بـ”مركز رمزي” في العراق وسوريا، يعمل كمرجع شرعي وإعلامي، لكنه لم يعد يمارس سلطة حقيقية على الفروع. بعض العمليات الكبرى، مثل الهجوم على سجن الحسكة 2022، نُفّذت بتنسيق محدود مع القيادة، ما يعكس وجود تواصل وظيفي لا قيادي. يحاول التنظيم إحياء مركزية القرار عبر نشر بيانات رسمية موحدة وتأكيد “بيعة” الفروع للزعيم الجديد، إلا أن هذه الرمزية لا تُترجم إلى توجيه ميداني. فقد أظهرت دراسة صادرة عن معهد مكافحة الإرهاب (ICT) في العام 2024 أن نسبة العمليات التي تُدار مباشرة من المركز لا تتجاوز (15%) من إجمالي الهجمات المنسوبة إلى “داعش” عالميًا.
هل أصبح التنظيم مجرد “علامة “جهادية”” ؟
تحوّل “داعش” إلى “علامة جهادية” عابرة للحدود، أقرب إلى نموذج “الفرانشايز” في الشركات، حيث تستخدم الجماعات المحلية الاسم والعلامة مقابل الولاء الأيديولوجي. في إفريقيا، مثلًا، تتبنى جماعات محلية شعار “داعش” لاستقطاب الدعم والتمويل والدعاية، دون التزام صارم بالهيكل التنظيمي. حتى داخل سوريا، تعمل خلايا التنظيم وفق استقلالية شبه تامة، وتستغل الفوضى الأمنية لتحقيق مكاسب محدودة. هذه اللامركزية منحت التنظيم مرونة وقدرة على البقاء رغم خسائره، لكنها في الوقت ذاته أفقدته الانضباط الإستراتيجي الذي ميز مرحلته الأولى، ما جعل فروعه تتباين في العقيدة والأولويات، وتتحول إلى كيانات محلية أكثر من كونها جزءًا من “الخلافة العالمية.مكافحة الإرهاب ـ مخيم الهول، جيل داعش الجديد، وخطر الاستقطاب.
2 ـ داعش في سوريا والعراق ـ عودة التهديد في ظل هشاشة الوضع السياسي
لا يزال تنظيم “داعش” يُشكّل تهديدًا مستمرًا في سوريا والعراق. ووفقًا للتقديرات، هناك أكثر من (4000) مقاتلٍ نشطٍ في سوريا والعراق، بينما يُحتجز آلاف من مقاتلي “داعش” في السجون السورية، مما يُشكّل خطرًا جسيمًا في حال إطلاق سراحهم، لا سيما من خلال عمليات الهروب من مراكز الاحتجاز. بالإضافة إلى ذلك، لا يزال آلاف الأفراد التابعين لـ”داعش” في معسكرات الاعتقال، حيث يكونون عُرضةً للتطرف والتجنيد. وفي أعقاب سقوط النظام السوري السابق، فإن ضعف سيطرة الحكومة السورية الجديدة، إلى جانب “العنف الطائفي” المُستمر، قد يُعزّز قدرات “داعش” بشكلٍ أكبر، مما يسمح للجهاديين بإعادة تنظيم صفوفهم والحفاظ على وجودهم، وربما توسيع نفوذهم مرةً أخرى.
قدرات تنظيم “داعش” في العراق
تشير التقديرات إلى أن عدد عناصر “داعش” في العراق يتراوح بين (1000) إلى (2000) عنصر رغم انهيار الهيكل الإداري والعسكري العلني للتنظيم نهاية عام 2017، موزعين على شكل خلايا نائمة أو مجموعات صغيرة في مناطق نائية. يتواجد التنظيم بشكل خاص في مناطق “ديالى، كركوك، صلاح الدين، نينوى” والحدود مع سوريا. ويحتفظ التنظيم بشبكة دعم لوجستي ومجتمعي محدودة، ويعتمد على التهريب والجباية المحلية لتأمين الموارد. لا يزال تنظيم “داعش” يحتفظ بقدرات مالية تمكنه من تنفيذ هجمات وتمويل خلاياه في العراق عام 2025، رغم خسارته للأراضي التي كان يسيطر عليها. وتعتمد مصادر تمويله على مجموعة من الأنشطة غير المشروعة والطرق السرية، أبرزها:
يواصل التنظيم فرض إتاوات على السكان المحليين، خاصة في المناطق الريفية والنائية، من خلال التهديد بالعنف أو تقديم “حماية” مزعومة. كما يقوم بابتزاز أصحاب الأعمال والتجار للحصول على أموال. كما ينخرط التنظيم في تهريب النفط والآثار والأسلحة، مستفيدًا من ضعف الرقابة على الحدود والمناطق الصحراوية. كما يشارك في الاتجار بالبشر والمخدرات لتمويل أنشطته. يستخدم “داعش” شبكات الحوالة غير الرسمية لتحويل الأموال بين أفراده وخلاياه، مما يصعب تتبعها من قبل السلطات. كما يستغل العملات الرقمية لنقل الأموال بسرية. ويتلقى التنظيم تبرعات من مؤيدين له في الخارج، سواء عبر تحويلات مالية مباشرة أو من خلال جمعيات خيرية تعمل كواجهة لجمع الأموال.
حققت جهود مكافحة الإرهاب للتحالف الدولي والحكومة العراقية نجاحًا ملحوظًا في إضعاف قدرات التنظيم ونطاقه داخل العراق. في معظم الأحيان، لم يعد تنظيم “داعش” يؤثر على الحياة اليومية داخل البلاد. تقع معظم هجماته الآن في المناطق الريفية أو قليلة السكان، وعندما يهاجم، يركز التنظيم في المقام الأول على قطاعات مختلفة من الأجهزة الأمنية العراقية بدلًا من المدنيين. وبينما كان العراق الأكثر نشاطًا وعنفًا بين ولايات تنظيم “داعش” لسنوات عديدة حتى عام 2022، عندما تجاوزت عمليات التنظيم في نيجيريا تلك التي في العراق، استمر التنظيم منذ ذلك الحين في الانخفاض في نشاطه العنيف مقارنة بولايات التنظيم الأخرى. فعلى سبيل المثال، كان “داعش” في العراق خامس أكثر الولايات تواترًا في إعلان مسؤوليته عن الهجمات عام 2024، بعد نيجيريا وسوريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وموزمبيق.
تشير الإحصائيات إلى أن هجمات “داعش” منذ العام 2019 كانت كالتالي: (1252) هجومًا عام 2019، (1459) هجومًا عام 2020، (839) هجومًا عام 2021، (484) هجومًا عام 2022، (151) هجومًا عام 2023، و(61) هجومًا عام 2024. وقد عادل معدل الهجمات انخفاضًا بنسبة (49%) عن إجمالي عام 2023، وانخفاضًا بنسبة (94%) منذ عام 2019. فيما ادّعى التنظيم تنفيذ (4) هجمات في العراق خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2025. أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني في مارس 2025 أن جهاز المخابرات في البلاد نجح في القضاء على نائب “الخليفة” في تنظيم “داعش”، “عبد الله مكي مصلح الرفاعي”. محاربة التطرف عبر الإنترنيت في العراق ـ الواقع والتحديات
قدرات تنظيم “داعش” في سوريا
تشير أحدث التقديرات إلى أن عدد مقاتلي “داعش” النشطين في سوريا يتراوح ما بين (2500) و(3000) عنصر، ينشطون في مجموعات لا تتجاوز (10) أفراد، ويعتمدون على السرعة والحركة المتكررة للتهرب من المراقبة الجوية، إضافة إلى آلاف المؤيدين المنتشرين ضمن شبكات قبلية أو في مخيمات اللاجئين. رغم فقدانه السيطرة الإقليمية، لا يزال التنظيم يحتفظ بقدرات عملياتية لافتة، لا سيما في المناطق الصحراوية قليلة السكان. اتضح طوال العام 2025، أن “داعش” قد تطوّر من مجرد خلايا نائمة إلى شبكة صغيرة ومرنة تسعى لاستغلال الفوضى الأمنية التي أعقبت سقوط النظام السوري السابق لإعادة ترسيخ وجودها في شرق سوريا. تشير التقديرات إلى تصاعد ملحوظ في نشاط “داعش” بين يونيو وأكتوبر 2025، وخاصة حول “البصيرة وجبل البشري والسخنة وذيبان في دير الزور”، والتي يصفها المراقبون بـ”مثلث برمودا”، حيث نفّذت وحداته كمائن وزرعت عبوات ناسفة استهدفت دوريات تابعة لكلٍّ من قوات سوريا الديمقراطية والقوات الحكومية. ويزعم التنظيم في وثيقة مسرّبة أخرى أن (70%) من مقاتليه متمركزون في تلك المناطق.
يأتي تمويل التنظيم في سوريا من الابتزاز، والتجارة غير المشروعة، خاصة النفط والتهريب، وبعض التبرعات الخارجية. كما واصل التنظيم محاولة فرض ضريبة على الأفراد بنسبة (2.5%) من قيمة أرباحهم ومدخراتهم وبضائعهم في أجزاء مختلفة من شرق سوريا. يملك تنظيم “داعش” خلال شبكة من المخبرين الذين “يراقبون مواقع المبيعات، ويوثقون الكميات المباعة، ويحددون المستلمين”. وعلاوة على ذلك، يهدد تنظيم “داعش” ويبتز الأفراد عبر تطبيق واتساب لتأمين مثل هذه المدفوعات. يعتمد “داعش” على مخازن الأسلحة المتروكة وعمليات الكمائن . أما التجنيد فيتركّز على الشباب المهمّش، خصوصًا في “دير الزور والرقة”. يُشكّل تنظيم “داعش” تهديدًا أشدّ خطورةً في سوريا منه في أي دولة أخرى في المنطقة، بما في ذلك العراق. ويعود ذلك بالأساس إلى “العنف الطائفي”، والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة في أنحاء مختلفة من البلاد، والأهم من ذلك، وجود آلاف “الجهاديين” من “داعش” سواء مقاتلين أو معتقلين.
انخفض عدد الهجمات التي يتبناها التنظيم في سوريا بشكل ملحوظ منذ أن فقد تنظيم “داعش” آخر ما تبقّى من سيطرته على الأراضي السورية في مارس 2019، إلا أن هذا الوضع تغيّر في عام 2024، حيث ازدادت هجمات التنظيم، على عكس الوضع في العراق. وكانت الاحصائيات كالتالي، (1055) هجومًا عام 2019، (608) هجومًا عام 2020، (368) هجومًا عام 2021، (297) هجومًا عام 2022، (121) هجومًا عام 2023، و(296) هجومًا عام 2024، ويعادل ذلك زيادة بنسبة (250%) تقريبًا عن العام الفائت، فيما نفّذت خلايا “داعش” (31) هجومًا في محافظتي الرقة والحسكة ما بين يناير وأكتوبر 2025. مكافحة الإرهاب: أهمية التعاون الأمني بين العراق وسوريا في ملف عائلات داعش
مواجهة تنظيم “داعش” في سوريا والعراق، التحديات والعوائق
تتمثّل إحدى نقاط القوة اللوجستية للتنظيم في استغلال المناطق الهامشية التي يسودها فراغ في الحكم أو غياب للخدمات العامة. فالمناطق الريفية والجبال والأراضي المتحركة بين الحدود السورية والعراقية تبقى مصادر تهديد، لأن الخدمات الأمنية والاقتصادية فيها أضعف، مما يمكّن خلايا التنظيم من التشبث أو التنقل بحرية. وقد دعمت تقارير الأمم المتحدة الحاجة إلى استمرار التواجد المؤسسي ودعم التنمية المحلية لسد هذه الفجوات. على الرغم من بعض النجاحات الاستخباراتية المحدودة، يبقى جمع المعلومات الدقيقة والحديثة على مستوى القرى والبوادي صعبًا.
يتمثل جانب حاسم آخر من تهديد “داعش” في سوريا في سجن أكثر من (10000) مقاتل من التنظيم داخل شبكة من (28) مركز احتجاز تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب ما يقرب من (60000) من أفراد عائلاتهم المحتجزين في شمال شرق سوريا. وتُعد هذه المرافق “قنابل موقوتة”، منذ انهيار النظام السابق، أفادت التقاريرأن “داعش” حاول شن هجومين على السجون. وفي حال حدوث هروبٍ جماعي أو إطلاق سراح مقاتلي التنظيم وأفراد أسرهم المتطرفين، ستكون العواقب خطيرة، إذ ستُعزز صفوف “داعش” وتُعيد قدراته العملياتية، مما سيُزعزع استقرار ليس فقط الوضع في سوريا، بل المنطقة بأكملها. أصبحت معسكرات مثل “الهول” و”روج” مراكز للتطرف، وخاصة بالنسبة للأطفال الصغار، الذين يمثلون “قنبلة موقوتة” أعدّها التنظيم ضمن برنامج “أشبال الخلافة”. إن وجود أعداد كبيرة من المشتبه بانتمائهم للتنظيم في السجون ومخيمات الاعتقال، مع ضعف برامج إعادة التأهيل الفعّالة، يشكّل بؤر تجنيدٍ محتملة.
شهدت جهود مكافحة “داعش” في سوريا خلال عام 2025 تطوراتٍ لافتة على المستويين الدولي والمحلي، خاصة بعد سقوط النظام السوري وتولي الحكومة الانتقالية. أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية عن تقليص عدد قواتها في سوريا من نحو (2000) إلى أقل من (1000) جندي، مع الإبقاء على القدرة على تنفيذ ضربات جوية ضد “داعش”. أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) في الأول من أكتوبر 2025 أن القوات الأمريكية وقوات الحلفاء تخفض وجودها في العراق، في نهاية مهمة استمرت أكثر من عقدٍ ضد تنظيم “داعش”، كما كان مُخططًا له. إن خفض انتشار التحالف الدولي وإعادة تشكيل مهامه قد يزيد الضغط على القدرات العراقية في الدفاع عن الحدود وتنفيذ العمليات الاستباقية. وهذا يتطلّب رفع كفاءة قوات الأمن العراقية وإعادة النظر في خطط التعاون الدولي، لضمان استمرارية الدعم العملي في مجالات التدريب والاستخبارات والإسناد الجوي. مكافحة الإرهاب ـ هل يستطيع استغلال الفراغ السياسي والأمني في سوريا؟
**
3 ـ مكافحة الإرهاب ـ تنظيم داعش والتمدد نحو أوروبا والعالم
لا تعني هزيمة تنظيم داعش في العراق خلال ديسمبر 2017، وفي سوريا خلال مارس 2019، وخسارته ما عُرف باسم “الخلافة” في الدولتين، إضافة إلى خساراته المتتالية لقيادات التنظيم، انتهاء تهديد داعش سواء في تلك المناطق أو على مستوى العالم. بل سعى التنظيم عبر استراتيجية “التأقلم والتكيف” إلى إنشاء شبكة لا مركزية، بتأسيس فروع صغيرة تابعة له في قارتي آسيا وأفريقيا، وتكوين خلايا نائمة واستقطاب عناصر في دول أوروبا، بهدف البقاء رغم خطط مكافحته دوليًا، والحفاظ على وجوده في دول مختلفة. ومن هنا اعتمد داعش على الخطاب الرقمي لتحقيق أهدافه، واستغل الاضطرابات السياسية والصراعات في أعوام 2023 و2024 و2025 للتمدد من جديد وبقوة، لتجنيد عناصر وتنفيذ عمليات إرهابية عبر “الذئاب المنفردة”.
الولايات النشطة لداعش خارج الشرق الأوسط
الساحل الأفريقي: شهدت منطقة الساحل الأفريقي، مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، تغيرات على المستويين السياسي والأمني، بوقوع انقلابات عسكرية وانسحاب القوات الفرنسية والأمريكية تدريجيًا، ما تسبب في تصاعد حركة الجماعات، وفي مقدمتها تنظيم داعش “ولاية الساحل ISSP”. وبلغ في النصف الأول من العام 2024 عدد القتلى في جميع دول الساحل الثلاث (7620) شخصًا، بزيادة قدرها (9%) مقارنة بالفترة نفسها في عام 2023، و(37%) مقارنة بعام 2022، و(190%) عن عام 2021، بحسب بيانات مشروع “ACLED”. وأشار التقرير نفسه إلى أن تنظيم داعش يُعد أكثر التنظيمات نشاطًا وعنفًا خلال 2024، بالتحول من العنف الجماعي إلى السيطرة الإقليمية بمنطقة الساحل.
يقول مدير الأبحاث بمجموعة سوفان للاستشارات “كولن كلارك”: “إن منطقة الساحل ستظل بؤرة الإرهاب، إذ توفر المناطق غير الخاضعة للحكم ملاذًا آمنًا لداعش والقاعدة، وتزحف هذه الجماعات الجهادية إلى سواحل غرب أفريقيا، مهددة دولًا كانت مستقرة سابقًا مثل غانا، وموسعة نفوذها من الكاميرون إلى نيجيريا. وبعد استعانة النيجر ومالي بمتعاقدين عسكريين من مجموعة فاغنر الروسية التي تُعرف باسم فيلق أفريقيا، تفاقم وجود داعش في الصومال ومنطقة القرن الأفريقي الكبرى”.
يوضح الرئيس التنفيذي لشركة شتوني للاستشارات “أدريان شتوني”: “إن داعش ينمو بشكل أسرع في أفريقيا وتحديدًا في الساحل، اعتبارًا من منتصف 2025، مستغلًا انسحاب القوات الغربية وتراجع جهود مكافحة الإرهاب”، مشيرًا إلى أن قوة داعش في ولاية الساحل تتراوح بين (2000 – 3000) مقاتل، ما يعني نموًا هائلًا لهذا الفرع ما بين (4 – 6) مرات في السنوات السبع الأخيرة. وتضاعف حجم داعش في الصومال في 2024، ما يحولها إلى مركز لوجستي ومالي رئيسي للتنظيم عالميًا، وبلغ عدد مقاتليه (1000) مقاتل.
شهدت منطقة الساحل (19%) من العمليات الإرهابية عالميًا، و(51%) من الضحايا المرتبطين بالإرهاب في 2024، بحسب مؤشر الإرهاب العالمي الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام لعام 2025، وتقع (5) من الدول العشر الأكثر تضررًا من الإرهاب في منطقة الساحل.
وفي 21 مارس 2025، هاجم عناصر من داعش مسجد “فامبيتا” في جنوب غرب النيجر، ما أسفر عن مقتل (44) شخصًا، إذ يعتمد داعش في هجماته على تفجيرات انتحارية وعبوات ناسفة واستهداف قواعد أمنية وقادة محليين. ويموّل أنشطته عبر التجارة غير المشروعة والخطف وسرقة المجتمعات المحلية.
جنوب آسيا: تنشط “ولاية خراسان ISKP” التابعة لداعش في جنوب آسيا، وبالأخص في أفغانستان، ويبلغ عدد مقاتلي داعش هناك ما بين (4 – 6) آلاف مقاتل، وتُقدَّر أعداده في باكستان بالمئات فقط. ووسع نشاطه عالميًا خارج نطاق أفغانستان باستقطاب عناصر من أوزبكستان وطاجيكستان، وتنفيذ هجمات بارزة في آسيا وأوروبا، لذا صنفه فريق الدعم التحليلي ورصد العقوبات التابع لمجلس الأمن في 2025 على أنه الفرع التابع لداعش الأكثر تهديدًا خارج مناطقه. شن التنظيم هجمات تفجيرية واغتيالات في 2024 و2025 في أفغانستان، ونفذ في 3 يناير 2024 تفجيرات كرمان جنوب إيران، وفي 22 مارس 2024 استهدف قاعة “كروكوس سيتي” الموسيقية غرب موسكو بإطلاق نار وانفجارات متعددة، ما تسبب في مقتل نحو (144) شخصًا.
آسيا الوسطى وشمال القوقاز: ينشط داعش في هذه المناطق بتكوين شبكة تجنيد وخلايا نائمة وشبكات تمويل. وشهدت شمال القوقاز، مثل “داغستان وإنغوشيا”، عمليات طعن وإطلاق نار على عسكريين ومدنيين، وتتمركز خلايا داعش هناك كونها منطقة جبلية وهشة أمنيًا. وتشير تقديرات إلى وجود أعداد منخفضة من مقاتلي داعش بآسيا الوسطى وشمال القوقاز، تُقدَّر بنحو (400) مقاتل، وتُعد طاجيكستان الأكثر هشاشة بسبب الحدود مع أفغانستان.
أوروبا: لا يزال التهديد المرتبط بداعش قائمًا في أوروبا، رغم اعتماد التنظيم في 2024 و2025 على خلايا صغيرة فردية أو تجنيد عناصر عبر الإنترنت، وتنفيذ عمليات مدفوعة رقميًا يقودها ذئاب منفردة. تصاعدت ظاهرة “الذئاب المنفردة” بين الشباب والمراهقين لإقبالهم على منصات التواصل الاجتماعي. وخلال 2024 أبلغت (14) دولة عن (58) هجومًا، ونُسبت (40% – 45%) من الهجمات إلى الإرهاب الإسلاموي، لذا تم تنفيذ (449) اعتقالًا مرتبطًا بالإرهاب في عدة دول بالاتحاد الأوروبي، وتم توقيف نحو (33%) من المشتبه بهم ما بين أعمار (12 – 20) عامًا. وأشارت السلطات في النمسا إلى أن حادث الطعن الذي وقع في “فيلاخ” في 15 فبراير 2025 نفذه سوري تأثر بأفكار داعش وبايعه عبر “تيك توك”.
أوضح “اليوروبول” أن أدوات داعش في التجنيد تمثلت في مقاطع الفيديوهات القصيرة والمجموعات المغلقة والمنتديات المشبوهة، ويستهدف التنظيم العائدين من ساحات القتال وشبكاته في آسيا الوسطى. وأصبحت حرب غزة في 2023 وسقوط النظام السوري السابق في 2024 محركًا لداعش للتحريض على تنفيذ هجمات في أوروبا، ما يشير إلى نشاط نوعي لخلايا داعش وتشكيل مجموعات صغيرة متطرفة تابعة لولاية خراسان في دول أوروبية. مكافحة الإرهاب ـ كيف سيؤثر تمدد “داعش” في إفريقيا على أمن أوروبا؟
العمليات والقدرات الفعلية لداعش في أوروبا
قُتل شخص وجُرح (4) آخرون في حادث طعن في جنوب النمسا في فبراير 2025.
اعتقلت السلطات النمساوية خلال عام 2025 مراهقين في حادثين منفصلين بتهمة التخطيط لهجمات مستوحاة من داعش.
شهدت النمسا هجمات إرهابية، وفي أغسطس 2024 أحبطت السلطات مخططًا لمراهقين متطرفين على صلة بداعش استهدفوا حفل “تايلور سويفت” في فيينا.
شهدت مدينة روتردام بهولندا حادثة طعن في سبتمبر 2024، ما أسفر عن مقتل شخص واحد. وأبقت الحكومة الهولندية على مستوى التهديد الإرهابي عند “كبير” بسبب استمرار خطر الذئاب المنفردة ذات الصلة بداعش.
قَتَل رجل سوري في أغسطس 2024 (3) أشخاص في مهرجان في “زولينغن” بألمانيا، وأعلن داعش بعدها مسؤوليته عن الهجوم، ما يشير إلى امتلاك داعش شبكة عابرة للحدود لتنفيذ هجمات بأوروبا.
طعن متطرف عدة أشخاص بمدينة مانهايم الألمانية في مايو 2024، وفي أبريل 2024 اعتقلت ألمانيا مراهقين بتهمة تشكيل خلايا للهجوم على كنائس ومراكز شرطة.
اتهم الادعاء العام السويدي (3) أشخاص بالتحضير لهجوم باسم داعش، وفي يوليو 2024 ألقى الأمن القبض على (7) أفراد في بلجيكا وألمانيا لصلتهم بمخطط داعش خراسان الذي استهدف أولمبياد باريس.
تم القبض على أفغان يُشتبه في صلتهم بداعش بتهمة التخطيط لهجوم على البرلمان السويدي في مارس 2024 .
واعتقلت ألمانيا عددًا من الأشخاص بتهمة التخطيط لمؤامرات مرتبطة بداعش، وشهدت ميونيخ حادث دهس في فبراير 2025 تسبب في جرح (28) شخصًا. مكافحة الإرهاب: أهمية التعاون الأمني بين العراق وسوريا في ملف عائلات داعش
التحول الإعلامي والدعاية الرقمية لداعش
وسع داعش نشاطه في أوروبا خلال 2025 عبر العمليات الرقمية، مستغلًا منصات التواصل الاجتماعي وأدوات المراسلة المشفرة بفعالية في نشر الدعاية والتطرف وتجنيد المؤيدين، مستهدفًا الفئات العمرية الأصغر سنًا والأكثر نشاطًا على الإنترنت، والأكثر عرضة للتطرف. وحرص داعش على بناء آلة إعلامية أكثر تطورًا لدعم تحوله نحو العمليات اللامركزية، ما أدى إلى توسع استخدام منصات الرسائل المشفرة بين عناصره، ونشر دروس إلكترونية لتوجيه أنصاره حول كيفية التهرب من المراقبة والحفاظ على الأمن التشغيلي، الأمر الذي يُعد عائقًا أمام وكالات مكافحة الإرهاب لرصد تحركات التنظيم.
لجأ داعش إلى المنصات الإلكترونية المجهولة والأصغر حجمًا والعملات المشفرة لجمع ونقل الأموال والخدمات اللوجستية والدعاية، والتهرب من الرقابة المالية التقليدية. واستخدم داعش الذكاء الاصطناعي التوليدي وبيئات ألعاب الفيديو لتجنيد المراهقين والشباب. يلعب داعش على الثغرات التي يعاني منها اللاجئون والمهاجرون العرب في أوروبا لاستقطابهم وجعلهم ضمن الشبكة غير المركزية للتنظيم. زادت القنوات المؤيدة لداعش في 2024 باستغلاله حرب غزة وتصدير الخطاب التحريضي، وتعزيز روايته “نحن ضدهم” بنشر فيديو مؤيد له بعنوان “الدولة” عبر الإنترنت في يناير 2024. وتداول التنظيم صورًا لفلسطيني مؤيد لداعش في مارس 2025، لدفع الخلايا لتنفيذ هجمات في أوروبا وآسيا، لذا كسب تعاطف مستخدمين للإنترنت في جنوب شرق آسيا، وظهرت خطابات انتقامية ضد بعض الدول الغربية ومؤيدة لداعش. المقاتلون الأجانب ـ ملف “داعش” يعود إلى الواجهة في فرنسا
علاقة داعش مع الجماعات المتطرفة الأخرى
تقوم العلاقة بين تنظيمي القاعدة وداعش على المنافسة في أفريقيا، وتدور معارك بين فرعي التنظيمين في منطقة الحدود بين “مالي وبوركينا فاسو والنيجر” للمنافسة على الأراضي والموارد. ويسعى داعش إلى الهيمنة والتموضع في منطقة الساحل. وتشتد المعارك بين داعش وجماعة بوكو حرام في بحيرة تشاد، ويتفوق داعش في هذه المنطقة بالعدد والتكتيكات واستخدام طائرات مسيّرة، ما جعله التنظيم الأكثر عنفًا في غرب أفريقيا. بينما تسيطر حركة الشباب التابعة للقاعدة على الصومال أكثر من داعش. تتمثل المنافسة بين التنظيمين في تجنيد الشباب والمراهقين من المجتمعات الفقيرة، والاستيلاء على الموارد المحلية مثل الذهب والمعادن، وإظهار القوة بتنفيذ عمليات أكثر دموية.
رغم تشابه طالبان وداعش في آسيا في الأيديولوجية، فإن التنظيمين مختلفان وينظران إلى بعضهما البعض من منطلق المنافسة، خاصة وأن طالبان والقاعدة على علاقة وثيقة. ومنذ وصول طالبان إلى حكم أفغانستان في 2021، شنت “ولاية خراسان” التابعة لداعش هجمات متتالية ضد أهداف حركة طالبان، وخارج حدود أفغانستان وتحديدًا في أوروبا، كنوع من إحراج الحركة بالداخل والخارج. وفي المقابل شنت طالبان في مارس 2024 هجمات ضد ولاية خراسان لتفكيك الخلايا السرية، ليرد داعش باغتيال مسؤولين بطالبان في ديسمبر 2024.
تقييم وقراءة مستقبلية
– تطرح البنية الهيكلية لتنظيم داعش بوصفه شبكة لا مركزية تحديات أمنية غير تقليدية. فمن جهة، تقلّصت قدرته على شن هجمات معقدة و منسقة كالتي حدثت في باريس أو بروكسل، لكنه في المقابل أصبح أكثر خطورة من حيث الانتشار والتأقلم. ففي الشرق الأوسط، ما تزال خلاياه النائمة في سوريا والعراق تمثل تهديدًا مستمرًا، خصوصًا في مناطق البادية الممتدة. وفي إفريقيا، يواصل التمدد عبر تحالفات محلية في الساحل ونيجيريا والكونغو وموزمبيق، ما يحول القارة إلى “المسرح البديل للجهاد العالمي”. أما في آسيا الوسطى وأوروبا، فإن “ولاية خراسان” تمثل الخطر الأكبر، إذ تستغل الحدود المفتوحة وضعف الرقابة لإرسال عناصر أو إلهام متطرفين لتنفيذ هجمات فردية.
– لم ينتهِ “داعش” بعد سقوط الخلافة ، بل أعاد تعريف نفسه. ولم يعد كيانًا هرميًا مركزيًا، بل شبكة متعددة الأقطاب، تعتمد على التفويض اللامركزي والعلاقات المرنة بين المركز والفروع. لقد تحوّل من “دولة” إلى “فكرة”، ومن تنظيم ذي قيادة واضحة إلى علامة عابرة تتبناها خلايا مستقلة في مناطق النزاع. هذا التحول يجعل من الصعب القضاء عليه بالوسائل العسكرية وحدها. يتطلب التعامل مع “داعش” استراتيجيات مختلفة عن الحرب التقليدية، ترتكز على مكافحة الفكر المتطرف، وتجفيف منابع التمويل الرقمي، وتحصين البيئات الهشة بدل الاعتماد على الضربات العسكرية فقط.
– من المتوقع أن يستمر التنظيم في استثمار الفوضى الجيوسياسية الناتجة عن الحروب والنزاعات، مثل حرب غزة أو ، لإعادة تقديم نفسه كمدافع عن الفئات المستضعفة، في محاولة لاستعادة الزخم الدعائي الذي فقده بعد سقوط الخلافة. من المحتمل أن يتجه “داعش” إلى تعزيز نشاطه في إفريقيا، وخاصة في منطقة الساحل وشرق القارة، مستفيدًا من ضعف الدولة وتراجع الحضور الغربي بعد الانسحاب الفرنسي من النيجر وتشاد، وتنامي التنافس الروسي الغربي . كما أن ولايات مثل “خراسان” ستواصل لعب دور استراتيجي في آسيا الوسطى، سواء عبر عمليات فعلية أو عبر التحريض الإلكتروني ضد أوروبا والولايات المتحدة.
– من المرجح أن تواجه أوروبا تحديًا متزايدًا يتمثل في “التهديد غير المباشر”، أي خطر الإلهام الرقمي والهجمات الفردية، وهو ما يصعّب التنبؤ أو المنع المسبق. ما يدفع الأجهزة الأمنية الأوروبية في السنوات المقبلة إلى بناء منظومات استخباراتية رقمية، قادرة على تتبع الدعاية الجهادية عبر المنصات المغلقة والذكاء الاصطناعي.
**
– رغم تراجع عدد هجمات “داعش” في العراق إلى أدنى مستوياته منذ عام 2019، وغياب السيطرة الإقليمية في سوريا، لا يزال التنظيم يحتفظ ببنية خلايا نشطة وقدرة على التحرك في المناطق الحدودية والنائية. يُلاحظ تحوّل في طبيعة عمليات تنظيم “داعش”، إذ لم يعد يسعى للسيطرة على أراضٍ، بل يعتمد على الكمائن، والاغتيالات، والهجمات الليلية المحدودة لإثبات الحضور، خصوصًا في البادية السورية وريف ديالى وكركوك في العراق.
– يُموّل التنظيم عبر الابتزاز، والتهريب، والجباية، والعملات الرقمية، كما يستغل مخيمات الاعتقال وسجون الشمال السوري كمصدرٍ دائمٍ للتجنيد وإعادة التأهيل الأيديولوجي. وأدّى سقوط النظام السوري وتراجع التنسيق الأمني بين القوى المحلية والدولية إلى خلق فراغٍ يسمح بعودة نشاط “داعش”، خاصةً مع تقليص الوجود العسكري الأميركي والدعم الدولي للعراق وسوريا.
– من المتوقع إذا استمرت الهشاشة السياسية في سوريا وتراجع الدعم الدولي في العراق وسوريا، أن يشهد تنظيم “داعش” عودةً تدريجيةً على شكل لامركزي، مع تصاعدٍ محتملٍ للهجمات في البادية السورية ومحيط الحدود المشتركة. غير أن نجاح الحكومتين العراقية والسورية في توحيد الجهود الاستخباراتية، وإصلاح المناطق المهمشة، وتعزيز التنمية المحلية، يمكن أن يُحوّل مسار التنظيم نحو الانكماش النهائي بدلًا من التجدد.
**
– لا تتوقف حدود نشاط داعش المتصاعد في أفريقيا وآسيا عند القارتين فحسب، خاصة وأن الفراغ الأمني والسياسي الذي تشهده دول الساحل الأفريقي وأفغانستان وباكستان، وحالة التنافس بين التنظيم وباقي الجماعات المتطرفة هناك، تدفعه إلى توسيع دائرة الاستهداف، وتحديدًا إلى أوروبا، معتمدًا على أدوات تجنيد إلكترونية حديثة وخطاب تحريضي أكثر استغلالًا للصراعات السياسية الراهنة في منطقة الشرق الأوسط، ولحالة الانقسام المجتمعي الحالي في المجتمعات الأوروبية حول هذه الصراعات. ما يعني أن تهديد داعش في 2025 لا يقل خطورة عن تهديده في 2014، وربما يكون التهديد الراهن وخلال الأعوام المقبلة أكثر تعقيدًا، لصعوبة تتبع شبكة “داعش” اللامركزية العابرة للحدود، ولتخفي الذئاب المنفردة والمؤيدين له على شبكة الإنترنت، ولرغبة داعش في إعادة التموضع من جديد عالميًا، وليس في إطار مناطق سيطرته السابقة في سوريا والعراق فقط.
– يُعد داعش التنظيم الإرهابي الأكثر عنفًا وخطورة في 2024 و2025، حيث أثبت قدرته على التأقلم مع المتغيرات الجغرافية والديموغرافية والسياسية والأمنية في الدول التي تعاني من اضطرابات مثل أفغانستان والساحل الأفريقي، ولقدرته على مواكبة المتغيرات التكنولوجية في دول أوروبا، ولسرعة استجابته للتدابير الاستباقية التي تتخذها أوروبا باتباع سياسة “التخفي والانتشار العابر للحدود”، الأمر الذي يزيد المخاوف من تمدده في السنوات المقبلة بصورة غير مسبوقة يصعب تعقبها ومكافحتها بالأدوات التقليدية.
– استفاد داعش من حالة الحروب والتوترات الدولية، سواء في منطقة الشرق الأوسط أو في أفريقيا وآسيا وأوكرانيا، فهو يعتمد على انشغال الدول الغربية بهذه الملفات الشائكة عن مسألة مكافحة الإرهاب، وانصرافها عن دعم دول أفريقيا وآسيا في دفع التنمية المستدامة، ومعالجة الأسباب الجذرية وراء انتشار الإرهاب، وانسحاب دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا من الساحل الأفريقي، لاستغلال الثغرات الناتجة عن حالة “عدم اليقين الأمني العالمي”، للظهور مرة أخرى عبر شبكة معقدة من الخلايا النائمة في مناطق متفرقة بالعالم.
– يركز داعش في جنوب آسيا، وتحديدًا “ولاية خراسان”، على التمدد خارج حدود هذه المناطق، ويعتمد التنظيم على هذا الفرع في الدعاية الرقمية عبر الإنترنت، ودعم عمليات الذئاب المنفردة في أوروبا، نظرًا لأن الفرع وجد لنفسه مساحة بعد وصول طالبان للحكم في أفغانستان، بتوظيف الخلافات العرقية والطائفية وجذب عناصر جديدة، واستغلال الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للضغط على طالبان، ما جعله بعيدًا عن الرقابة الأمنية ولديه الفرصة للانتشار خارج آسيا.
– تصاعد وتيرة الهجمات في 2024 و2025 عبر الخلايا الصغيرة لداعش قد يدفع أوروبا إلى تشديد الرقابة على شبكة الإنترنت، وإعادة صياغة استراتيجية مكافحة التطرف بتتبع الخطاب الرقمي وسلوك المراهقين والشباب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما قد يتطلب سن تشريعات جديدة تسمح بتطبيق الرقابة الصارمة على هذه المواقع، الأمر الذي يضع حكومات أوروبا في محل انتقادات من قبل المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان.
– مر داعش بمراحل متعددة منذ نشأته بالسيطرة على مناطق في سوريا والعراق، مرورًا بالمعارك التي خاضها خلال مرحلة مكافحته من قبل التحالف الدولي، وصولًا إلى الوضع الراهن ومحاولات بناء صفوفه من جديد. وتتشابه جميع المراحل في أن المناطق المضطربة سياسيًا وأمنيًا هي البؤر الجاذبة لأنشطة هذا التنظيم، ما قد يتطلب من دول أوروبا والمشاركين في “التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب” وضع خطة متكاملة لإرساء قواعد الاستقرار في هذه المناطق، وإعادة بناء وتنمية المناطق، وإنهاء أسباب الصراعات السياسية، للقضاء على أي فرص قد يستغلها داعش في السنوات المقبلة.
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
هوامش
The Islamic State in 2025: an Evolving Threat Facing a Waning Global Response
https://bit.ly/3Wzdu8I
The ISIS Model and its Influence Over Global Terrorism
https://bit.ly/4qB9CSk
Africa Province: The Funding Behind the Islamic State’s Central
https://bit.ly/4hAxj9g
The Islamic State: Background, Current Status, and U.S. Policy
https://bit.ly/4ok0Why
**
Without a Caliphate, But Far from Defeated: Why Da’esh/ISIS Remains a Threat in Syria in 2025
https://2u.pw/8bafiK
Countering Islamic State/Daesh in Africa, Syria and Iraq 2025
https://2u.pw/5D6b5H
Remaining, Waiting for Expansion (Again): The Islamic State’s Operations in Iraq and Syria
https://2u.pw/Zpicrx
The Islamic State in 2025: an Evolving Threat Facing a Waning Global Response
https://2u.pw/vBOxlO
**
Newly restructured, the Islamic State in the Sahel aims for regional expansion
https://shorturl.at/WlA30
A German court sentences 2 Afghans to prison for plotting to attack the Swedish parliament
https://shorturl.at/rf1eS
EUROPEAN UNION TERRORISM SITUATION AND TREND REPORT 2025
https://shorturl.at/C6Zup
The Resilience and Expansion of Jihadist and Far-Right Movements
https://rb.gy/bl11xg










بحث طويل و مفصل .. و مفيد أيضا لمن أراد ان يعلم و يتعلم …
الخلاصة … هذا التنظيم مثله مثل الشمعة ، مكون من خيط التطرف العنيف ، و حوله هجينة الإسلام المزيف ، في بقعة غلب عليها الظلام .. و ما على صاحب الولاعة إلا اختيار متى يشعل الشمعة ، و متى يطفؤها … إلى ان يحين زمن سحقها او نهاية أجلها بتآكلها .
.. آسف على تشبيه بعاعش بالشمعة ….