
بعد سقوط نظام بشار الأسد، لم تُغلق صفحة الصراع على السلطة في سوريا، بل فُتح فصل جديد عنوانه المال، فبعيدا عن آليات العدالة، حازم شقيق الشرع يقود لجنة ضل مهمتها الاستحواذ على ثروة الأسد ونقلها ليس لخزينة الدولة السورية لكن نقلها لتكون بين يدي عائلة الرئيس كيف ذلك؟
فالمعركة التي كانت تُخاض في الشوارع، انتقلت اليوم إلى عالم الشركات والبنوك والأصول. فوفق تحقيق استقصائي نشرته وكالة Reuters في جويليا الماضي، فإن سوريا تشهد في دهاليز السلطة إعادة تشكيل دقيقة للاقتصاد عبر لجنة غير معلنة تعمل خارج أي رقابة قضائية أو مؤسساتية، وتُشرف على إعادة توزيع أهم القطاعات الحيوية، من الاتصالات والطيران إلى الحديد والعقارات والمرافئ.
في العلن، تظهر حكومة انتقالية وخطابات إصلاح اقتصادي ووعود بإعادة الإعمار، لكن في الواقع تُدار العملية عبر مفاوضات مباشرة مع رجال أعمال مرحلة الأسد. الصيغة واحدة: التنازل عن جزء من الملكية مقابل وقف الملاحقات وضمان البقاء داخل السوق. بهذه الطريقة، لم يُفكَّك اقتصاد المنظومة السابقة على أساس المحاسبة، بل أُعيد تدويره بهدوء داخل شبكة جديدة للنفوذ.
رويترز تؤكد أن أصولًا تُقدَّر بأكثر من مليار وست مئة مليون دولار غيّرت موقعها خلال أشهر قليلة فقط، دون المرور عبر آليات العدالة، ودون قرارات مصادرة علنية، ودون أي إعلان رسمي للرأي العام.
في عهد الأسد، كانت مفاتيح الاقتصاد الموازي والأمن المالي في يد شقيقه ماهر، الذي لم يكن مجرد قائد عسكري، بل حلقة الوصل بين المال والسلاح والأجهزة. بعد السقوط، تغيّر الاسم وتغيّرت الواجهة، لكن منطق الحكم عبر الدوائر العائلية الضيقة بقي حاضرًا. اليوم، يتقدّم حازم الشرع بوصفه الرجل الذي يمسك بمفاتيح المرحلة الاقتصادية الجديدة. من شقيق إلى شقيق، تنتقل السلطة داخل نفس المنطق خارج مؤسسات الدولة الرسمية.
شقيق الشرع الذي يدير معركة نقل الثروة من رجال الأسد إلى بين يديه، يعلم أنه وفي خضم هذا التحول، عليه أن لا يتجاهل تركيا كلاعب اقتصادي إقليمي محوري. فالفضل يرجع أساسا لأردوغان في سقوط بشار ووصول الشرع، وعليه فالشركات التركية دخلت بقوة إلى قطاعات الكهرباء والبناء والنقل وتشغيل المصانع والبنية التحتية في سوريا. العنوان الرسمي هو “إعادة الإعمار”، لكن في العمق، يطرح عدد من الخبراء تساؤلات جدّية حول طبيعة هذا التمدّد: هل هو استثمار طبيعي في بلد مدمّر؟ أم بداية تموضع استراتيجي طويل الأمد يُعيد رسم خريطة الملكيات الاقتصادية في سوريا؟ صحيح أنه لا توجد إلى الآن وثائق علنية تُثبت استحواذًا مباشرًا على شركات مصادَرة، لكن سرعة الدخول، وضخامة المشاريع، وطبيعة بعض الصفقات غير المعلنة، تجعل من أنقرة طرفًا ثقيل الوزن في معادلة الاقتصاد السوري الجديد.
وبينما تُعاد قسمة النفوذ الاقتصادي داخل البلاد، كان جزء من المال قد غادر سوريا منذ سنوات. رجال أعمال حقبة الأسد لم ينتظروا جميعهم لحظة السقوط. بعضهم هيّأ الخروج مبكرًا، وبعضهم غادر مع أول اهتزاز كبير في بنية النظام. يتقدّم تلك الأسماء سليمان معروّف، رجل الأعمال الحامل للجنسية البريطانية، والذي تصفه دوائر دبلوماسية غربية بـ“محفظة الأسد في أوروبا”. بينما تُدار اليوم الصفقات في دمشق بين لجنة الظل ورجال المال القدامى، كان معروّف قد نقل جزءًا معتبرًا من ثروته إلى لندن منذ سنوات، وبنى شبكة شركات تمتد من بريطانيا إلى جزر فيرجن وقبرص ودبي، حيث تتحول الأموال إلى استثمارات محمية بالقانون لا بالانتماء السياسي.
فلا محاكمات علنية لكبار الفاسدين، ولا لجان رسمية لاسترجاع أموال الدولة، ولا مسار واضح لمحاسبة من راكموا ثرواتهم من اقتصاد الحرب والعقوبات. بدل ذلك، هناك تسويات وصفقات وإعادة تموضع داخل النظام الجديد. وإذا كان مفسدوا الأمس شركاء اليوم في إعادة تشكيل الاقتصاد، يبقى السؤال مفتوحًا: من سيحاسب من؟
في المحصلة، سقط نظام سياسي في سوريا، لكن النظام الاقتصادي لم يُحسم بعد من يحكمه فعليًا. في الداخل، تأين يعاد توزيع النفوذ باسم “الإصلاح” وتُبرم الصفقات خارج القضاء. وفي الخارج، تُحصّن المليارات باسم “الاستثمار” داخل شركات وعقارات وحسابات مصرفية آمنة. وبين دمشق وأنقرة ولندن، يتحرّك خيط مال واحد يغيّر عناوينه، لكنه لا يغيّر طبيعته. ويبقى السؤال المركزي المطروح اليوم: هل ما يجري اليوم هو تفكيك حقيقي لاقتصاد الأسد، أم مجرد نقلٍ منظّم للثروة من شبكة قديمة إلى شبكة جديدة في الداخل والخارج معًا؟










معظم او جزء من استثمارات رجال الأعمال والمصنعين في سوريا بدات تهرب أعمالها ومصانعها الى الأردن وتركيا منذ نهاية الثمانينات في عند حافظ الاسد الاشتباك بين الاقتصاد والسلطة في سوريا ليس وليد اليوم او الثورة بل هو متجذرة منذ استقلال سوريا سنة 1946…