الحدث

ضربة موجعة للاقتصاد الموازي

المقال بالصيغة الورقية

في خطوة تحمل أبعادًا اقتصادية وأمنية واجتماعية متداخلة، أمر رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، خلال اجتماع مجلس الوزراء، بالتحضير لإطلاق بطاقات الدفع المسبق للتزوّد بالبنزين، مع تركيز خاص على المناطق الحدودية. القرار، الذي قد يبدو تقنيًا في ظاهره، يخفي في عمقه تحوّلًا حقيقيًا في طريقة تعامل الدولة مع ملف دعم الوقود، ومع أحد أخطر منابع الاستنزاف الطاقوي المرتبط بالتهريب والاقتصاد الموازي.

طيلة سنوات، ظل الفارق الكبير في أسعار البنزين بين الجزائر ودول الجوار وقودًا حقيقيًا لشبكات تهريب منظمة، تحوّل فيها الدعم العمومي إلى مصدر ربح غير مشروع، يتجاوز الأفراد ليصل إلى اقتصادات موازية قائمة بذاتها، لها سلاسل نقل وتخزين وتوزيع، وأحيانًا غطاء ميداني معقّد. في هذا السياق، لم تعد الدولة ترى في تهريب الوقود مجرد جنحة حدودية، بل نزيفًا مباشرًا لثروة وطنية مدعّمة من الخزينة العمومية، يُستفاد منها خارج الحدود بدل أن تخدم المواطن والاقتصاد الوطني.

من هنا، يأتي خيار بطاقات الدفع المسبق كحل وسط بين استحالة رفع أسعار الوقود، لما يحمله من كلفة اجتماعية وسياسية عالية، وبين ضرورة كبح الاستهلاك غير المضبوط. فالسلطات تراهن على الانتقال من دعم مفتوح يصعب التحكم فيه، إلى دعم موجّه ومقنن وقابل للتتبع الرقمي، دون المساس بالسعر الرسمي في المرحلة الحالية. وعمليًا، يفتح هذا النظام الباب أمام تسقيف الإستهلاك الشهري، وربطه بهوية المستفيد أو بالمركبة، بما يسمح للدولة لأول مرة برؤية رقمية دقيقة لحجم الاستهلاك، والتمييز بين الاستعمال الطبيعي والاستغلال غير الشرعي.

الأبعاد الأمنية لهذا القرار لا تقل أهمية عن جوانبه الاقتصادية. ففي المناطق الحدودية، حيث يتحوّل البنزين المدعّم إلى عملة تداول غير رسمية، تمثل البطاقة المسبقة أداة لقطع الشريان اللوجستي لشبكات التهريب. فبدون تدفّق الوقود الرخيص، تتعطّل سلاسل كاملة من الأنشطة غير القانونية المرتبطة به، من التهريب البسيط إلى شبكات النقل غير المرخص والتجارة العابرة للحدود خارج سيطرة الدولة. وهكذا، تنتقل الحدود تدريجيًا من فضاء استنزاف للطاقة، إلى مجال خاضع للمراقبة الرقمية الصارمة.

اقتصاديًا، يتقاطع هذا القرار مع مرحلة جديدة تدخلها الجزائر في مجال الطاقة، بعد شروعها في تصدير البنزين المكرر محليًا، وسعيها إلى رفع قدرات التخزين وحماية المخزون الاستراتيجي. ففي ظل تزايد الطلب الداخلي، وتنامي الطموح في التصدير، تصبح كل قطرة وقود تُهرّب خارج المنظومة خسارة مزدوجة: خسارة مالية مباشرة، وخسارة في التوازن بين السوق الوطنية والأسواق الخارجية. ويأخذ هذا البعد أهمية أكبر مع المشاريع الكبرى المرتبطة بالتكرير، وعلى رأسها منشآت حاسي مسعود، التي يُفترض أن تعزّز الاكتفاء الداخلي وتفتح آفاقًا أوسع للتصدير.
في المحصلة، لا تمثل بطاقات الدفع المسبق للبنزين مجرد إجراء تنظيمي ظرفي، بل تعبّر عن بداية تحوّل في فلسفة دعم الطاقة في الجزائر، من منطق الدعم المفتوح غير القابل للضبط، إلى منطق الدعم الذكي القائم على التتبع والرقمنة والتوجيه. هي معركة تخوضها الدولة ضد الاقتصاد الموازي في أحد أخطر معاقله، ومعركة ستكشف نتائجها الحقيقية عند أول اختبار ميداني في محطات الوقود وعلى الشريط الحدودي.

‫3 تعليقات

  1. الضربة في المقتل… في الوذن…لا حس ولا عياط زلاط يهفت العياط…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى