
لم تعد الخلافات بين المملكة العربية السعودية و الإمارات العربية المتحدة مجرد تباينات في وجهات النظر أو اختلافات تكتيكية داخل تحالف واحد. بيان وزارة الخارجية السعودية شديد اللهجة بشأن التحركات الإماراتية في اليمن، ووصفها بأنها «بالغة الخطورة» وتهديد مباشر للأمن القومي السعودي، شكّل لحظة فاصلة أعلنت عمليًا انتقال العلاقة من التنسيق إلى مواجهة مفتوحة.
مطالبة الرياض بانسحاب القوات الإماراتية من الأراضي اليمنية خلال 24 ساعة، وتحذيرها من أن أي مساس بأمنها «خط أحمر»، ثم القصف السعودي لمدرعات أُرسلت عبر ميناء المكلا، كلها مؤشرات على أن الخلاف خرج من الغرف المغلقة إلى العلن، وبات يمس جوهر معادلة الأمن الإقليمي في الخليج.
منذ تدخل التحالف العربي في مارس 2015، بدا أن المصالح السعودية والإماراتية متطابقة تماما في اليمن. غير أن تطور الأحداث بعد أكثر من عقد كشف عن رؤيتين استراتيجيتين متناقضتين.
فالسعودية تنظر إلى محافظتي حضرموت والمهرة، اللتين تتقاسم مع الأولى أكثر من 400 كلم من الحدود، باعتبارهما امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، ولا يمكن القبول بفراغ أمني أو نفوذ فيهما خارج سيطرة الدولة اليمنية.
في المقابل، ترى الإمارات في هاتين المنطقتين، ولا سيما حضرموت، بوابة بحرية واقتصادية لتعزيز نفوذها الإقليمي، وتدعم في هذا السياق المجلس الانتقالي الجنوبي الساعي إلى الانفصال، في منطقة تُعد من أغنى مناطق اليمن بالثروات النفطية.
هذا التناقض حوّل اليمن من ساحة تنسيق إلى ساحة تنافس حاد بين حليفين سابقين، وأعاد طرح سؤال وحدة اليمن وجدوى التحالف نفسه.
الاتفاق السعودي – الإيراني: شرخ الثقة
لفهم طبيعة الشرخ القائم اليوم علينا العودة إلى الاتفاق السعودي وإيراني. فبالنسبة لأبوظبي، لم يكن الأمر مجرد خطوة دبلوماسية لخفض التوتر، بل خروجًا منفردًا من خندق المواجهة مع العدو المشترك من دون تنسيق مسبق.
في منطق التحالفات، يُعد هذا السلوك ضربة لأسس الثقة التي بُني عليها التعاون السعودي-الإماراتي خلال السنوات الماضية، ورسالة واضحة بأن الرياض باتت تعيد ترتيب أولوياتها الأمنية بمعزل عن شريكها الأقرب.
السودان… الشرخ قبل اليمن
قبل اليمن وإيران، كان السودان أول مختبر حقيقي لانهيار التوافق. هناك، دعمت السعودية رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بوصفه ممثلا لشرعية الدولة، فيما دعمت الإمارات قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) كقوة أمر واقع.
هذا الانقسام كشف مبكرًا أن الطرفين لم يعودا يتحركان ضمن استراتيجية واحدة، بل ضمن مشروعين إقليميين متنافسين يستخدم كل منهما حلفاء مختلفين داخل الساحة نفسها.
هذا التصادم لم يحدث من فراغ, فالولايات المتحدة، وخصوصًا في عهد دونالد ترامب، لم تعد متمسكة بإدارة تحالفات واسعة ومعقّدة. بل تتجه نحو تقليص عدد الوكلاء النشطين ميدانيًا، والتخلّص من الشركاء الذين أصبحوا إقليميا يشكلون عبئًا سياسيًا أمام تحقيق التحوّل داخل أمريكا.
غير أن واشنطن لا تمنح شيكًا على بياض لأي محور بديل. فرغم إتاحة مساحة أكبر للدور التركي-القطري، بعثت الولايات المتحدة إشارات واضحة على أن هذا المحور هو الآخر ليس محصنًا، من خلال فتح نقاشات جدية حول تصنيف جماعة الإخوان المسلمين، الذراع الإيديولوجية الأساسية له، كمنظمة إرهابية. الرسالة هنا واضحة: لا وكلاء دائمين، بل أدوار مؤقتة تُراجع باستمرار.
من سيدفع ثمن المواجهة مع إيران؟
في هذا السياق، يبدو أن الاتفاق السعودي-الإيراني خفّف العبء المباشر عن الرياض، لكنه في المقابل نقل جزءًا من كلفة الصراع إلى شركاء آخرين. ومع استمرار الانخراط الإماراتي في اليمن والبحر الأحمر، وتراجع الحضور السعودي الميداني، تبرز أبوظبي كطرف قد يتحمّل الوزن الأكبر لأي تصعيد إيراني في الخليج.
ما نشهده اليوم ليس خلافًا عابرًا، بل بداية تطاحن بين وكلاء الولايات المتحدة في المنطقة. السعودية في مواجهة الإمارات اليوم، وغدًا قد تتقاطع المصالح بين قطر وتركيا والإمارات في ساحات أخرى. وفي ظل هذا التفكك، يُعاد توزيع أعباء المواجهة مع إيران بطريقة غير متكافئة.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو:
هل ستكون الإمارات أول وكلاء الولايات المتحدة المرشحون للسقوط تحت وطأة فرط التمدد وتغيّر أولويات واشنطن؟
هل ستكون الإمارات ضحية خضوعها لمراكز قوى داخل الولايات المتحدة الأمريكية يريد ترامب التخلص من نفوذها عليه؟
ما يبدو مؤكدًا اليوم أن الإمارات بالإضافة إلى إيران تكسب اليوم عدوا إقليميا ذون وزن ثقيل أيضا وهو السعودية, وأن الكماشة بدأت تضيق شيئا فشيئا عليها…










مقال سمعناه و رأينا تفاصيله في لايفاتك منذ شهور ، او سنوات …
لكن … دائما هناك نقاط تفرض نفسها في مثل هذه الأحداث التي يعتبرها البعض مفاجئة ، و هي
… لماذا في هذا التوقيت !!؟ ، و لماذا في اليمن ؟؟؟
.. باختصار شديد ، ربما بسبب زيارة النتن/ياهو لأمريكا ، التي عهدنا انها تشير الى بداية تحول كبير في المنطقة ، و السعودية ادركت ان السبيل الوحيد لإخراجها من وحل غزة هو تفكيك التحالف الخليجي بإعلان العداء للحليف الاول و هي الإمارات .
أما عن المكان ، الذي هو اليمن ….فأكيد من اجل إعلان حسن النوايا لإيران ، و لتوجيهه نحو الامارات و البحرين ، و كذلك لقرب المنطقة جغرافيا مقارنة بالسودان او ليبيا و حتى صومال مثلا …
المهم … بعد اعلان العداء الجهري و الإعلامي من طرف الجزائر للإمارات ، ها قد سلكت السعودية نفس السلوك ، و الذي سيفتح الباب بعدهما لكثير من الدول في المنطقة لاتخاذ نفس السلوك ، و سيمرغ انف الوكيل الأول في التراب ، إعلانا عن سقوطه إعلاميا ثم عسكري و سياسيا .. و أظن يترك إقتصاده لخدمة أجندات اخرى مستقبلا تحت حناية ابيه عمان .
تحليلات قمة في الروعة بالمسطرة ربي يبارك فيك