تبون يردّ على التشكيك: خيارات الدولة محسوبة وسيادتها غير قابلة للمساومة
في خرجة إعلامية جامعة، ردّ رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون على التشكيك في مردودية مشروع غار جبيلات وعلى قراءات متداولة بشأن العلاقات الخارجية، مؤكدًا أن خيارات الدولة تقوم على دراسات معمّقة وعلى مبدأ الندية والسيادة، في إطار مسار يهدف إلى تسريع التحول الاقتصادي دون المساس بالطابع الاجتماعي للدولة.
لمطالعة المقال بالصيغة الورقية : إضغط هنا
تُظهر الكوطا التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على الصادرات الجزائرية تناقضًا واضحًا مع مبدأ حرية السوق الذي يروّج له، إذ تُقيَّد القدرات الصناعية الجزائرية بسقوف حمائية تكرّس علاقة اقتصادية غير متوازنة وتدفع الجزائر إلى البحث عن بدائل سيادية خارج هذا الإطار.
لم يكن حديث رئيس الجمهورية عن “الكوطا” التي يفرضها الاتحاد الأوروبي طرحًا تقنيًا معزولًا، بل جاء في سياق اقتصادي متكامل يربط بين قيود خارجية مفروضة على الصادرات الجزائرية وبين الخيارات الاستراتيجية التي تتجه إليها الدولة في قطاع الحديد، وعلى رأسها مشروع غار جبيلات. فالمسألة، عند تفكيكها، تكشف خللًا بنيويًا بين حجم القدرات الصناعية الجزائرية المتنامية من جهة، والسقوف التي يضعها السوق الأوروبي من جهة أخرى. في هذا الإطار، جاء كشف الرئيس لما
تستهلكه المصانع الجزائرية، وفي مقدمتها مركب توسيالي، بوصفه مثالًا كاشفًا لطبيعة العلاقة غير المتوازنة مع الاتحاد الأوروبي. فالمصانع الجزائرية اليوم قادرة على الإنتاج بكميات معتبرة وبمواصفات مطابقة للمعايير الدولية، غير أن قدرتها على التصدير تبقى مرهونة بسقف خارجي يُغلق سريعًا، ما يعني أن المشكلة لا تكمن في المنتج الجزائري ذاته، بل في القيود المفروضة عليه مسبقًا. بهذا المعنى، تتحول الكوطا من أداة تنظيمية إلى آلية حمائية تحدّ من توسّع منافسين صناعيين محتملين جنوب المتوسط.
هذا الخلل ينعكس مباشرة على المعادلة الاقتصادية الوطنية. فالجزائر، التي كانت تستنزف سنويًا ما بين 1.4 و1.5 مليار دولار في استيراد مشتقات الحديد، وجدت نفسها أمام خيار استراتيجي: إما الاستمرار في التكيّف مع قيود خارجية، أو بناء قاعدة صناعية ومنجمية تسمح بتقليص الاستيراد والتحرر التدريجي من سقوف التصدير المفروضة. من هنا، لم يعد استغلال الموارد الوطنية مجرد خيار اقتصادي، بل ضرورة تتعلق بتأمين القرار الاقتصادي نفسه.
في هذا السياق، يكتسب غارا جبيلات بعده الحقيقي. فالمشروع لا يُقدَّم بوصفه ردًّا مباشرًا على الكوطا الأوروبية، ولا كبديل ظرفي للسوق الأوروبية، بل كجزء من رؤية أوسع تهدف إلى التحكم في سلسلة القيمة، وتنويع الأسواق، وإعادة توجيه التدفقات التجارية خارج منطق الحصص الضيقة. فالتحكم في الاستخراج، وربطه بالتحويل والنقل، يمنح الجزائر هامش مناورة أوسع ويقلّص من تبعيتها لسوق واحدة غير متكافئة في شروطها.
كما أن ربط الاستغلال المنجمي بمشاريع السكك الحديدية والبنى التحتية يندرج ضمن مقاربة شاملة، تجعل من فكّ العزلة الجغرافية أداة لفكّ القيود التجارية. فالبنية التحتية هنا لا تُختزل في دورها اللوجستي، بل تتحول إلى رافعة سيادية لإعادة التموضع الاقتصادي وفتح آفاق تصدير متعددة.
بهذا المعنى، لم يكن ربط رئيس الجمهورية بين الكوطا الأوروبية وما تستهلكه المصانع الجزائرية مجرد توصيف ظرفي، بل قراءة سياسية واقتصادية لحدود النمو داخل إطار تجاري غير متوازن. وحين تُقابل قدرات إنتاجية متنامية بسقوف تُغلق خلال أيام، يصبح تجاوز هذه المعادلة خيارًا استراتيجيًا لا تفرضه الرغبة في التوسع فقط، بل تفرضه ضرورات السيادة الاقتصادية.
رئيس الجمهورية قدم مشروع غار جبيلات بوصفه خيارًا سياديًا مدروسًا، لا مجرّد استثمار منجمي، مؤكّدًا أن مردوديته تُقاس بتقليص الاستيراد وبناء اقتصاد منتج، لا بالأرباح السريعة أو الحسابات الظرفية.
في رده على الأصوات التي تشكّك في جدوى مشروع غار جبيلات أو تقلّل من مردوديته، شدّد رئيس الجمهورية على أن المشروع لم يُطلق بقرار ارتجالي، ولا بدافع سياسي ظرفي، بل جاء نتيجة مسار طويل من التحضير التقني. وأوضح أن أي مشروع وطني بهذا الحجم لا يمكن أن ينطلق دون دراسات معمّقة، أنجزتها مكاتب دراسات دولية كبرى مختصة، تناولت كل الجوانب المرتبطة بالاستغلال، والنقل، والتحويل، والمردودية الاقتصادية.
وفي تصريح مباشر باللهجة الجزائرية، قال الرئيس:
“قبل كل شيء، أي مشروع وطني من هذا الحجم ما يجيش من فراغ. قبل ما ننطلقوا فيه، تكون كاين دراسات معمّقة داروها أكبر مكاتب الدراسات المختصة، من قارات مختلفة. كامل هذ المكاتب أجمعت على أساس أن المشروع هذا ذو مردودية عالية.”
ورفض رئيس الجمهورية الطرح القائل إن الجزائر تدخل في “مشاريع قليلة أو محدودة”، معتبرًا أن هذا الخطاب يتجاهل طبيعة التحوّل الجاري في السياسة الاقتصادية الوطنية. وأكد أن غار جبيلات ليس مشروعًا معزولًا، بل حلقة ضمن مسار وطني متكامل يربط بين الثروة المنجمية، والبنية التحتية، والتحويل الصناعي، وفكّ العزلة عن مناطق الضل، والانتقال التدريجي نحو اقتصاد منتج لا يبقى رهين المحروقات ولا لتقلبات الأسعار التي تُقرَّر خارج الإرادة الوطنية.
وفي هذا السياق، أوضح الرئيس أن مردودية المشروع تظهر أولًا في أثره المباشر على الميزان التجاري، مذكّرًا بأن الجزائر كانت تستورد مشتقات الحديد بما يتراوح بين 1.4 و1.5 مليار دولار سنويًا. واعتبر أن التوقف التدريجي عن هذا الاستيراد يمثّل أول مكسب حقيقي للمشروع، من خلال توفير العملة الصعبة وإعادة ضخّها داخل الاقتصاد الوطني.
وأضاف، بكل عفوية وبلهجة مفهومة لدى كل شرائح المجتمع :
“المشروع هذا يسمح لنا أولًا باش نتوقفوا تدريجيًا عن استيراد مشتقات الحديد، اللي راهي تكلفنا اليوم ما بين مليار وأربعمائة ومليار وخمسمائة مليون دولار سنويًا، ومن بعد نروحوا للتحويل المحلي والتصدير باش نعوّضوا جزء من مداخيل المحروقات.”
كما أبرز رئيس الجمهورية الخصائص التقنية للخام، مشيرًا إلى أن خام غار جبيلات يتميز بنسبة حديد تبلغ 52 بالمائة، واصفًا إياه بالخام الراقي. وأكد أن معالجته محليًا، لاسيما في بشار عبر نزع جزء من الفوسفور وتحويله إلى حبيبات أو صفائح، من شأنه تسهيل نقله واستعماله الصناعي، ورفع مردوديته الاقتصادية، وتهيئة الظروف للانتقال لاحقًا إلى مرحلة التصدير.
وفي ختام هذا المحور، شدّد الرئيس على أن الجزائر اختارت بوضوح الدخول في مشاريع كبرى تُغيّر بنية الاقتصاد على المدى المتوسط والبعيد، حتى وإن تطلّب ذلك استثمارات ثقيلة وصبرًا استراتيجيًا، معتبرًا أن التشكيك في هذه الخيارات لا يستند إلى مقاييس اقتصادية بقدر ما يعكس رفضًا لمسار الانتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج.
أما مشروع السكة الحديدية فقد اعتبره الرئيس رافعة سيادية لفكّ العزلة وإعادة بناء الاقتصاد الوطني، معتبرًا أن ما تحقق ليس مجرد خط نقل، بل تحوّل استراتيجي يربط الثروة، والتنمية، والوحدة الوطنية في مسار واحد.
لم يتعامل رئيس الجمهورية مع مشروع السكة الحديدية، لاسيما خط تندوف–بشار وما يتفرع عنه، كمشروع نقل تقليدي، بل بوصفه أحد أعمدة التحول الاقتصادي الجاري في البلاد. ففي حديثه، ربط بين السكة الحديدية، واستغلال المناجم، وفكّ العزلة عن المناطق، مؤكدًا أن المشروع يحمل بعدًا نفسيًا، ووطنيًا، واقتصاديًا في آن واحد.
وعن شعوره أثناء تدشين المشروع، كما شدّد الرئيس على أن الأمر يتجاوز لغة الأرقام، ويصعب اختزاله في توصيف تقني. ففي تصريح مباشر باللهجة الجزائرية قال: “الشعور هذا صعيب يتوصف… لأن هذ المشروع معركة من معارك عظماء هذ البلاد. فكّ العزلة على منطقة غالية علينا كيما تندوف ماشي أمر بسيط، وهذا يجي مرة في حياة الإنسان، مسؤول ولا غير مسؤول.”
وأوضح رئيس الجمهورية أن مشروع السكة الحديدية لم يُنجز كخط معزول، بل كجزء من رؤية وطنية أشمل، انطلقت بالخط الغربي، وستتوسع تدريجيًا لتشمل باقي الأقاليم. وأكد أن الهدف النهائي يتمثل في ربط الجنوب العميق بالشبكة الوطنية، بما يكرّس الوحدة الوطنية ويحوّل الجغرافيا من عبء إلى رافعة تنموية.
وفي هذا السياق، أعلن الرئيس بوضوح أن طموحه لا يتوقف عند بشار أو تندوف، بل يمتد إلى أقصى الجنوب، قائلاً: “أنا ما نرتاحش وما يجيش لي بال حتى القطار يوصل لتمنراست إن شاء الله.”
وبخصوص الآجال، أوضح رئيس الجمهورية أنه إذا سارت الأمور كما هو مخطط لها، فإن أواخر سنة 2028 ستشهد تمكين المسافرين من ركوب القطار بين تمنراست والجزائر العاصمة، معتبرًا ذلك مرحلة مفصلية في مسار فكّ العزلة وإدماج الجنوب في الدورة الاقتصادية الوطنية.
اقتصاديًا، شدّد الرئيس على أن السكة الحديدية ليست مشروع نقل ركاب فقط، بل أداة استراتيجية لربط المناجم، وتسهيل تحويل الثروات محليًا، وخفض كلفة النقل، وهو ما يجعلها شرطًا أساسيًا لنجاح المشاريع المنجمية الكبرى، وفي مقدمتها الحديد. وأكد أن ما تحقق في ظرف زمني قصير يُعد إنجازًا استثنائيًا، مقارنة بما كانت تتطلبه مشاريع أقل حجمًا في الماضي.
وفي تصريح لافت، قال الرئيس: “اليوم نشوفوا جسور تنجز في ستة ولا سبعة شهور، أكثر من عشرين جسر في ظرف قياسي، ووضع السكة والتجارب كامل في حوالي عشرين شهر. هذا مشروع يتدرّس.”
ولم يغفل رئيس الجمهورية البعد الاجتماعي للمشروع، مشددًا على أن السكة الحديدية ستنعكس مباشرة على حياة المواطنين، من حيث التنقل، والأسعار، والإحساس بالمساواة بين المناطق. وأعلن في هذا الإطار أن سعر تذكرة القطار بين تندوف وبشار سيكون في حدود 1700 دينار في الدرجة الأولى، معتبرًا ذلك خطوة عملية لتقريب الجنوب من باقي التراب الوطني.









أستاذ نواري مقال في القمة تحليل فهم سهل لغة سياسية إقتصادي
مشكور أستاذ راك قفزت قفزة طويلة في مجال الصحافة
خطاب الرئيس كان ممتع مفرح مفرج والله
تمنيت نسمع أسئلة جيوسياسية لكن الصحفيين في المكان الغير مناسيب
سؤال أستاذ هل الإطالة بالجنرال الصيني يعتبر تغلب الجناح الاقتصادي على العسكري
وهل ما قام به الجنرال وما يدعي الرئيس الصني بأنه خيانة هو بمثابة تضحية من طرف الجنرال لتقوية الجناح العسكري