الحدث

الجزائر… التموقع كوسيط محتمل لأزمة الخليج

في خضم التصعيد العسكري غير المسبوق الذي يشهده الشرق الأوسط، كثّف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون اتصالاته مع عدد من قادة الدول العربية، في تحرك يعكس قلقاً متزايداً من انزلاق المنطقة نحو مواجهة واسعة، ويؤشر في الوقت ذاته إلى محاولة الجزائر إعادة تفعيل موقعها كفاعل رئيسي في لحظة اضطراب إقليمي حاد فضلت أغلبية الدول غير المستهدفة، إلتزام الصمت خلالها.

منذ ساعات قليلة، أجرى الرئيس تبون سلسلة مكالمات هاتفية شملت أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، وسلطان عمان هيثم بن طارق، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وملك الأردن عبد الله الثاني، إضافة إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

وبحسب البيانات الرسمية، تمحورت هذه الاتصالات حول التطورات الأمنية الخطيرة التي تعرفها المنطقة، حيث شدد الرئيس الجزائري على دعم بلاده لإحلال السلم والأمن بشكل عاجل، معرباً عن تضامنه مع شعوب الدول المعنية في ظل الظروف الدقيقة التي تمر بها.

كما عبّر الرئيس تبون عن تقديره الخاص للجهود الرامية إلى وقف التصعيد، في حين حرص في اتصالاته مع السعودية والأردن والكويت على التأكيد على أهمية حماية استقرار هذه الدول في ظل اتساع رقعة المواجهة.

هذه السلسلة من الاتصالات لا يمكن قراءتها فقط باعتبارها تضامناً بروتوكولياً، بل تعكس تموضعاً جزائرياً دقيقاً في لحظة حاسمة يعاد خلالها تشكيل موازين القوى الإقليمية.
فالجزائر، بخلاف غالبية الدول العربية، تحتفظ بعلاقة مستقرة مع إيران، قائمة على مبدأ عدم الانخراط في محاور الصراع، وهو ما منحها تاريخياً قدرة على التواصل مع جميع الأطراف دون أن تُصنّف ضمن معسكر مضاد لطهران.

هذا الموقع تحديداً يكتسب أهمية بالغة في الظرف الحالي  فالجزائر قناة محتملة غير معلنة لوساطة فعالة مع طهران.

ففي الوقت الذي تشهد فيه علاقات إيران مع عدد من العواصم العربية توتراً خطيرا، تبقى الجزائر من الدول القليلة، إن لم نقل الوحيدة، التي لم تدخل في مسار الاستقطاب الحاد ضدها.
وهذا ما يجعلها نظرياً قناة تواصل محتملة جدا، مباشرة أو غير مباشرة، بين طهران وبعض العواصم العربية المتضررة.
كما سبق للجزائر أن لعبت دوراً في تقريب وجهات النظر بين سلطنة عمان وإيران، وهما الدولتان المشرفتان عملياً على ضفتي مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الطاقوية في العالم.

اللافت في اتصالات تبون أنها جمعت بين دعم واضح لدول الخليج والأردن، وبين تثمين صريح لأدوار الوساطة، خصوصاً العمانية والقطرية.
بمعنى آخر، الجزائر لا تتحرك ضمن منطق الاصطفاف، بل ضمن منطق دعم الاستقرار العربي، والحفاظ على قنوات مفتوحة مع إيران لاجل تشجيع أي مسار للوساطة بدل الاكتفاء بالمواجهة
وهو ما يضعها في موقع أقرب إلى “وسيط محتمل” منه إلى “طرف منحاز”.
هل تعود الجزائر إلى واجهة الوساطات الإقليمية؟
في حال استمرار التصعيد، ستحتاج المنطقة إلى قنوات اتصال لا تمر عبر العواصم المنخرطة مباشرة في الصراع.
وهنا تحديداً قد يظهر الدور الجزائري:
دولة عربية غير منخرطة في الاستقطاب الإيراني، تحتفظ بعلاقات عمل مع الخليج، ولها سابقة وساطة في ملف هرمز، أي أنها تمتلك عناصر نادرة في المشهد الحالي المعقد.
التحرك الهاتفي للرئيس تبون قد يكون، في هذا السياق، أكثر من مجرد متابعة للأحداث… بل تموضعاً استباقياً لدور قد يصبح ضرورياً إذا ما دخلت المنطقة مرحلة البحث عن مخارج سياسية بعد موجة التصعيد العسكري.

‫3 تعليقات

  1. رأينا تاريخ الوساطة الجزائرية ، و طريقة تدخلها لفك النزاعات او لتحرير الأسرى ، او لوضع خارطة طريق ..
    كما لاحظنا و فهمنا كيف اخرجت الجزائر روسيا من الوحل عن طريق وساطة لم نرى لها مثيل …
    فهل سنرى في حالة الوساطة الإيرانية الخليجية حالة مبتكرة اخرى ، او حالة تقليدية .. ؟؟
    .. أظن ان الحالة التي ستكون عليها الوساطة هذه المرة عبارة عن كوكتال … إيران تملك الخلاط ، و لكل دولة خليجية ذوقها الخاص .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى