الحرب والحسابات المالية

في غضون أسابيع قليلة فقط، تحوّلت العملية العسكرية الأمريكية ضد إيران، المعروفة باسم “عملية الغضب الملحمي”، إلى واحدة من أكثر النزاعات كلفة في التاريخ الحديث، وسط تحذيرات من انزلاق استراتيجي قد يتجاوز في خطورته سيناريوهات العراق وأفغانستان.
لم يكن مرور خمسين يومًا كافيًا لالتقاط أنفاس البنتاغون، الذي وجد نفسه غارقًا في دوامة إنفاق متسارع. فوفق تقديرات مجموعة من الخبراء، فقد تجاوزت الكلفة المباشرة للعملية 55 مليار دولار، رقم لا يعكس شدة العمليات فحسب، بل طبيعتها التقنية المعقدة.
تتصدر تكاليف هذه الفاتورة الباهظة، الذخائر الموجهة بدقة كأحد أبرز مصادر الاستنزاف. صواريخ كروز من طراز “توماهوك”، وأنظمة الاعتراض المتطورة، التي تُستخدم بكثافة بصفة يومية ليس فقط لتنفيذ الضربات، بل لحماية القواعد الأمريكية المنتشرة في منطقة.
معادلة مكلفة فعلا فكل هجوم إيراني بطائرة مسيّرة أو صاروخ باليستي يقابله اعتراض قد تصل كلفته إلى ملايين الدولارات.
ورغم أن وتيرة الضربات تراجعت نسبيًا بعد الأسبوع الأول من التصعيد، إلا أن منحنى الإنفاق لم يتبع نفس المسار.
فالحرب، كما يصفها أحد المحللين العسكريين، “لم تعد تُقاس بعدد الضربات، بل بقدرة الدول على تحمل الاعباء المالية المترتبة على الابقاء على جيوشها في حالة جاهزية دائمة”. وهو ما يفسر استمرار النزيف المالي عبر تكاليف الدعم اللوجستي، ونقل العتاد، وإعادة تموضع القوات، فضلًا عن إعادة ملء الترسانات التي استُنزفت بوتيرة غير مسبوقة.
لكن ما يثير القلق أكثر داخل واشنطن، هو المقارنة التي باتت تُطرح على نطاق واسع: هذه الحرب، في أيامها الأولى، تتجاوز من حيث الكلفة المراحل التمهيدية لحربي العراق وأفغانستان. الفرق الجوهري يكمن في طبيعة التهديد؛ فبدلًا من مواجهة جيوش تقليدية، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام هجمات غير متماثلة، تعتمد على الطائرات المسيّرة والصواريخ، ما يفرض استخدام وسائل دفاعية باهظة الثمن بشكل مستمر.
في الداخل الأمريكي، بدأت ارتدادات هذه الكلفة تظهر بوضوح. داخل أروقة الكونغرس، يتصاعد الجدل حول جدوى الاستمرار في هذا المسار، مع تحذيرات من أن البنتاغون قد يطلب قريبًا تمويلًا طارئًا إضافيًا قد يصل إلى مئات المليارات من الدولارات. وهو ما يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول الأولويات، خاصة في ظل ضغوط اقتصادية داخلية متزايدة.
غير أن ما لا يظهر في هذه الأرقام، قد يكون أكثر خطورة. فالتقديرات الرسمية غالبًا ما تتجاهل التكاليف طويلة الأمد: إصلاح المعدات المتضررة، إعادة تأهيل البنية التحتية العسكرية، والأهم من ذلك، الالتزامات المستقبلية تجاه المحاربين القدامى. وهي نفقات قد تستمر لعقود، كما حدث في العراق وأفغانستان، حيث تضاعفت الفاتورة مرات عديدة بعد انتهاء العمليات القتالية.
في المحصلة، لا تبدو “عملية الغضب الملحمي” مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبارًا قاسيًا لقدرة الولايات المتحدة على تحمّل كلفة الحروب الحديثة، حيث لم تعد المعارك تُحسم فقط في الميدان، بل أيضًا في دفاتر الحسابات.





