من تندوف إلى سيناء .. حين تتحول مشاريع التنمية إلى هواجس جيوسياسية

قطارات كهربائية فائقة السرعة، موانئ جديدة، طرق لوجستية، مناطق صناعية، وممرات تجارية تربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط. مشروع ضخم تسوق له القاهرة على أنه خطوة تاريخية لتحويل مصر إلى مركز نقل عالمي ينافس أكبر الممرات التجارية الدولية.
لكن خلف هذا المشهد، يتصاعد داخل إسرائيل نقاش أمني مختلف تماماً: هل تتحول سيناء تدريجياً إلى فضاء عسكري مصري خارج القيود التي فرضتها اتفاقية السلام منذ 1979؟
السؤال لم يعد يطرح فقط داخل مراكز الدراسات الإسرائيلية، بل أصبح مادة يومية في الإعلام العبري، خاصة مع تزايد الحديث عن توسع تواجد الجيش المصري في سيناء، ومع مشاريع السكك الحديدية، وتطوير الموانئ، وبناء بنية تحتية بهذا الحجم يعتقد الإسرائيليون أنها تحمل استخداماً مزدوجاً: مدنياً وعسكرياً في آن واحد.
“قناة السويس على السكك الحديدية”
المشروع الذي تنفذه Siemens يمتد على قرابة ألفي كيلومتر، ويربط ميناء العين السخنة على البحر الأحمر بالإسكندرية ومرسى مطروح على المتوسط، مع خطوط إضافية تصل جنوب مصر بالأقصر وأسوان، وأخرى تربط سفاجا بالغردقة والأقصر.
لكن المشروع الأكثر حساسية لا يوجد غرب النيل، بل شرق قناة السويس.
هناك، تعمل مصر على إعادة إحياء حلم قديم: ربط شمال ووسط وجنوب سيناء بشبكة سكك حديدية تمتد من الفردان إلى بئر العبد ثم العريش، وصولاً إلى طابا ونويبع على البحر الأحمر.
تقارير مصرية وعربية تحدثت عن مشروع “العريش – طابا” باعتباره ممراً تنموياً يعيد تشكيل شبه الجزيرة بالكامل، ويحول العريش إلى مركز لوجستي على المتوسط، وطابا إلى بوابة تربط مصر مستقبلاً بالخليج العربي.
لكن في إسرائيل، يُقرأ هذا المشروع بطريقة مختلفة.
منذ توقيع مصر على اتفاقية سلام مع إسرائيل، خضعت سيناء لترتيبات عسكرية دقيقة قسمت المنطقة إلى نطاقات “أ، ب، ج”، مع قيود صارمة على حجم القوات والأسلحة الثقيلة شرق القناة.
المنطقة “ج” المحاذية لإسرائيل، على سبيل المثال، كان يفترض أن تبقى شبه منزوعة السلاح، مع وجود شرطة مدنية فقط وقوات المراقبة الدولية.
لكن بعد سنوات الحرب ضد التنظيمات المسلحة في شمال سيناء، بدأت القاهرة تحصل على استثناءات أمنية متتالية لإدخال قوات إضافية ومعدات ثقيلة إلى المنطقة.
ما تعتبره إسرائيل اليوم خطيراً هو أن هذه “الاستثناءات المؤقتة” تحولت، بحسب تقديراتها، إلى واقع دائم.
تقارير إسرائيلية وغربية تتحدث عن وجود عشرات آلاف الجنود المصريين في سيناء، إلى جانب دبابات أبرامز، ووحدات ميكانيكية، ومنظومات دفاع جوي متطورة، كما عمدت القاهرة على توسيع مطارات ومدارج عسكرية بالمنطقة.
بل إن بعض التقارير ذهبت أبعد من ذلك، متحدثة عن إنشاء منشآت عسكرية عميقة داخل الجبال، وتحديداً في منطقة جبل الحلال.
جبل الحلال.. من معقل المسلحين إلى “المنطقة الغامضة”
لسنوات طويلة، كان جبل الحلال مرادفاً للفوضى الأمنية في شمال سيناء, فالمنطقة الوعرة التي استخدمتها التنظيمات المسلحة كمخبأ طبيعي أصبحت اليوم تشكل أرقا متواصلا لأجهزة الأمن الإسرائيلية.
تقارير متداولة في الإعلام العبري ومنصات أمنية تتحدث عن بنية تحتية تحت الأرض داخل الجبل، على أعماق كبيرة، تشمل مخازن ومراكز قيادة ومنشآت محصنة.
بعض هذه التقارير استخدم تعبير “مصانع الكحك” كغطاء ساخر لمنشآت يعتقد أنها ذات طبيعة عسكرية.
ورغم غياب أدلة تؤكد هذه الروايات بشكل قاطع، فإن مجرد تكرارها يعكس حجم القلق الإسرائيلي من التحولات الجارية في سيناء.
فالقلق لا يرتبط فقط بهذا الموقع العسكري، بل بالسياق الكامل المحيط به: سكك حديدية جديدة، طرق استراتيجية، موانئ، مطارات، ومناطق صناعية قريبة من الحدود.
لماذا تخشى إسرائيل السكك الحديدية؟
في الحسابات العسكرية الحديثة، البنية التحتية ليست مجرد مشاريع اقتصادية.
خطوط السكك الحديدية، خصوصاً في المناطق الحدودية، تعني القدرة على نقل الجنود والعتاد والذخيرة بسرعة كبيرة. والموانئ الجديدة تعني مرونة لوجستية أعلى. أما المطارات والمدارج الموسعة فتعني قابلية تشغيل عسكري دائم.
فالقلق الذي ينتاب إسرائيل اليوم من مشاريع السكك الحديدية في مصر هو نفسه الدي ينتابها بسبب مشاريع السكك الحديدية في الجزائر والتي تعتقد, تل أبيب, أنه يمكن استخدامها أيضا لأغراض عسكرية.
لهذا ترى دوائر إسرائيلية أن ما يجري في سيناء لا يمكن عزله عن حرب غزة، التوتر في البحر الأحمر، الحديث عن تهجير الفلسطينيين، والصراع على طرق التجارة الدولية.
وفي هذا السياق، اكتسبت المناورات العسكرية المصرية الأخيرة قرب الحدود الإسرائيلية حساسية مضاعفة، خاصة بعد تقارير تحدثت عن تدريبات بالذخيرة الحية على مسافة قريبة جداً من السياج الحدودي.
في المقابل، ترفض مصر عملياً الرواية الإسرائيلية, القاهرة تقدم كل ما يحدث في سيناء باعتباره جزءاً من خطة تنموية شاملة تهدف إلى تثبيت السكان، خلق فرص العمل، وإنهاء عقود من العزلة والتهميش.
كما تؤكد أن الوجود العسكري المكثف مرتبط حصراً بمكافحة الإرهاب ومنع أي فوضى حدودية، خاصة بعد الحرب في غزة.
وتعتبر السلطات المصرية أن إعادة إعمار سيناء وربطها بشبكات النقل والموانئ يمثل جزءاً من الأمن القومي المصري، وليس مشروعاً موجهاً ضد إسرائيل.
بل إن بعض الأصوات المصرية ترى أن إسرائيل نفسها عرقلت لعقود مشاريع تنموية في سيناء خوفاً من تحولها إلى منطقة مأهولة وقوية اقتصادياً.
لكن خلف النقاش العسكري المباشر، توجد معركة أعمق تتعلق بمستقبل طرق التجارة والطاقة في المنطقة.
مصر تحاول تثبيت نفسها كممر لا يمكن تجاوزه بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، خصوصاً مع التهديدات المتزايدة لحركة الملاحة في البحر الأحمر.
وفي الوقت نفسه، تتسابق مشاريع إقليمية أخرى, إسرائيلية وخليجية, لإنشاء ممرات برية وسككية بديلة قد تقلل مستقبلاً من أهمية قناة السويس.
لهذا، لا تنظر القاهرة إلى مشروع “القناة البرية” باعتباره مجرد شبكة نقل، بل كجزء من معركة جيوسياسية واقتصادية على مستقبل المنطقة.
أما إسرائيل، فترى أن هذا الصعود اللوجستي يترافق تدريجياً مع إعادة بناء قوة عسكرية مصرية شرق القناة، في منطقة كان يفترض أن تبقى مقيدة بموجب اتفاق السلام.
اللافت في الجدل الإسرائيلي حول مشاريع السكك الحديدية والبنية التحتية في سيناء، أنه يكشف منطقاً يتكرر كثيراً في النزاعات الإقليمية: كل مشروع تنموي ضخم في منطقة حدودية يُقرأ أيضاً بعيون أمنية وعسكرية.
هذا المنطق لا يقتصر على الشرق الأوسط فقط، بل يمكن إسقاطه أيضاً على التوتر القائم بين الجزائر والمغرب حول مشاريع التنمية الكبرى في الجنوب الجزائري، خصوصاً في منطقة تندوف وغار جبيلات.
فكما تنظر إسرائيل إلى السكك الحديدية والموانئ والمطارات في سيناء باعتبارها ذات “استخدام مزدوج”، تتابع بدورها بكثير من الحساسية المشاريع الجزائرية العملاقة في المناطق الصحراوية المحادية للحدود مع حليفتها المغرب، وعلى رأسها مشروع غارا جبيلات للحديد، وخط السكك الحديدية الضخم الرابط بين تندوف وبشار، إضافة إلى مشاريع الطرق والمناطق الصناعية والبنية الطاقوية الجديدة.
بالنسبة للجزائر، تُقدَّم هذه المشاريع باعتبارها جزءاً من استراتيجية تنويع الاقتصاد، وتقليص الاعتماد على المحروقات، وتحويل الجنوب إلى قطب صناعي ولوجستي جديد يربط الجزائر بعمقها الإفريقي.
لكن في القراءة المغربية الإسرائيلية، الأمر مختلف تماما داخل بعض وسائل الإعلام والمنصات القريبة من دوائر الأمن والجيوسياسة، التي تربط بين هذه المشاريع وبين تعزيز الحضور الاستراتيجي والعسكري الجزائري قرب الحدود الغربية والفضاء الصحراوي.
تماماً كما يحدث في سيناء، تتحول السكك الحديدية هنا أيضاً إلى أكثر من مجرد وسيلة نقل. فخط بشار – تندوف – غار جبيلات لا يُقرأ فقط كمشروع اقتصادي لنقل خام الحديد، بل أيضاً كبنية تحتية استراتيجية قادرة على تسهيل الحركة اللوجستية والعسكرية في منطقة شاسعة لطالما اعتُبرت هامشية وصعبة الوصول.









