
في كل مرة تحتفي فيها الجزائر بمناسبة وطنية أو دولية، تعود نفس الوجوه إلى الواجهة. وجوه تعرف جيدًا كيف تتحرك داخل فضاءات السلطة، وكيف تلتقط الصور في اللحظات الرمزية، ثم تعود بسرعة إلى خطاب المعارضة، وكأن شيئًا لم يكن. هذا التناقض لم يعد مجرد سلوك فردي، بل تحول إلى نمط يكشف خللًا أعمق في علاقة بعض النخب بالسلطة وبالمجتمع.
الاحتفاء باليوم العالمي للصحافة كان مناسبة أخرى لطرح هذا السؤال المؤجل: كيف يمكن لمن يعلن نفسه معارضًا أن يكون حاضرًا في “موالد السلطة”، مستفيدًا من امتيازاتها الرمزية، ثم يعود ليرتدي عباءة النقد الجذري؟ هل نحن أمام ازدواجية مواقف، أم أمام براغماتية مفرطة فقدت معناها الأخلاقي؟
المشكلة لا تكمن في الحضور بحد ذاته. فمن حق أي صحفي أو فاعل إعلامي أن يشارك في الفعاليات الرسمية، وأن ينخرط في النقاش العام من مختلف المنابر. لكن الإشكال يظهر حين يتحول هذا الحضور إلى أداة مزدوجة: استهلاك لرمزية السلطة من جهة، واستثمار في خطاب المعارضة من جهة أخرى. هنا، يصبح الموقف ضبابيًا، وتفقد الكلمات معناها.
هناك من أتقن فن “تقليب الفيستا” كما يُقال، يتنقل بسلاسة بين مواقع متناقضة، دون أن يشعر بثقل التناقض. في الصباح ضيف على مائدة السلطة، وفي المساء ناقد شرس لها. هذا ليس ذكاءً سياسيًا، بل انزلاق نحو نوع من النفاق المقنّع بشعارات حرية التعبير.
في المقابل، هناك من اختار موقعًا مختلفًا. ليس في موالد السلطة، ولا في قلاع المعارضة المبنية من ورق. موقع أقل صخبًا، لكنه أكثر وضوحًا: خندق الجزائر. هذا الموقع لا ينتظر دعوة، ولا يبحث عن اعتراف، لأنه يقوم على قناعة بسيطة: أن خدمة البلد ليست مناسبة موسمية، بل التزام دائم.
أن تكون في خندق الجزائر يعني أن تتحمل عبء الموقف، لا أن تتنقل بين المواقع حسب الظروف. يعني أن تقول ما يجب أن يُقال، سواء أعجب السلطة أو أزعجها، دون أن تبحث عن مكاسب ظرفية. ويعني أيضًا أن ترفض تحويل المعارضة إلى مسرح، أو السلطة إلى وليمة.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحتاج الجزائر إلى وضوح في المواقف، لا إلى ازدواجية في الخطاب. تحتاج إلى صحافة تدرك أن استقلاليتها لا تُقاس بقربها أو بعدها عن السلطة، بل بقدرتها على الحفاظ على خط تحريري متماسك، لا يتغير بتغير الدعوات.
في النهاية، المسألة ليست من حضر ومن غاب، بل من ثبت على موقفه. لأن التاريخ لا يتذكر من جلس على الموائد، بل من بقي في الخنادق.










هل تظن ان موائد العشاء ، و لو في ضيافة السلطة … أحسن من موائد الخمر ، و في ضيافة الشنطة .
يقال ان هؤولاء القوم ، فكرهم ليس كأفكار باقي القوم ، و عيونهم لا ترى حيث يرى الآخرين ، حتى بطونهم عهدت أكل .. عفوا شرب الأخضر و اليابس ، فتخيل كلامهم حين الجلوس مع بعضهم .
لا يهم … المهم ان كفتي الميزان تجبرانه على التوازن ، و لو ملئت كفة على أخرى .
انا عندي سؤال :و هل السلطة لا تستغل هؤلاء في بعض الاحيان (يمكن من دون ان يشعروا)؟
أكيد .. تحت نظرية توظيف السلبيات ، و ايضا معادلة .. ركوب المؤامرات