الحدثرأي

الناتو العربي.. من التطبيع إلى الاندماج

لم تعد المؤشرات القادمة من المنطقة توحي بأن ما يجري مجرد علاقات ثنائية عادية بين بعض العواصم العربية وواشنطن أو حتى مع إسرائيل. ما يتشكل تدريجيا يبدو أقرب إلى هندسة إقليمية جديدة، عنوانها الأمن المشترك، وعمودها الفقري الإمارات، بينما تتحول بقية العواصم إلى حلقات ضمن منظومة دفاع سياسي وإعلامي وعسكري واحدة.

في هذا السياق، لا تبدو مصر سوى بداية المشهد، لا نهايته.

فالقاهرة، التي ظلت لسنوات تحاول الحفاظ على هامش من التوازن بين أدوارها العربية التقليدية ومتطلبات التحالفات الجديدة، تجد نفسها اليوم أكثر اقترابا من محور إقليمي يعيد رسم خرائط الولاء والخوف والمصالح. لكن الأهم من مصر هو ما سيأتي بعدها.

القائمة تبدو مفتوحة: الأردن، البحرين، المغرب، وربما لاحقا أطراف أخرى، كلها دول ارتبطت خلال السنوات الماضية بتفاهمات أمنية وعسكرية غير معلنة بشكل كامل، لكنها كانت معروفة داخل الدوائر المغلقة تحت توصيف غير رسمي: “الناتو العربي”.

لم يكن الأمر مجرد فكرة إعلامية أو مبالغة سياسية. بل مشروع نُفِّذ بهدوء شديد منذ سنوات، قائم على توحيد الرؤية تجاه إيران، وضبط المجال الأمني الإقليمي، وخلق بيئة تسمح لإسرائيل بأن تتحول من كيان خارج المنظومة العربية إلى مركز داخلها.

ولهذا، فإن ما يحدث اليوم لا يمكن قراءته كقرارات منفصلة لكل دولة على حدة، بل كعملية تموضع جماعي داخل معسكر إقليمي جديد.

الإمارات لا تتحرك فقط كدولة تبحث عن نفوذ، بل كغرفة عمليات سياسية واقتصادية وإعلامية لإعادة تشكيل المنطقة وفق تصور مختلف تماما عن الشرق الأوسط القديم. تصور يقوم على التحالفات الأمنية العابرة للسيادة التقليدية، وعلى دمج إسرائيل في بنية الدفاع الإقليمي، وعلى تحويل الخطر الإيراني إلى مبرر دائم لإعادة ترتيب الجغرافيا السياسية العربية.

ومن هنا يمكن فهم سبب تسارع الاصطفافات.

البحرين كانت منذ البداية الأكثر وضوحا بحكم هشاشتها الأمنية واعتمادها المباشر على المظلة الخليجية الأمريكية. المغرب دخل بدوره عبر بوابة المصالح الاستراتيجية والتكنولوجيا العسكرية والتقارب مع تل أبيب. الأردن، رغم حذره التقليدي، يجد نفسه محاصرا بجغرافيا ملتهبة وضغوط اقتصادية وأمنية تدفعه أكثر نحو هذا المحور.

أما مصر، فإن دخولها الكامل إلى هذا الخندق يمنح المشروع شرعية عربية ثقيلة، لأن القاهرة ليست مجرد دولة إضافية، بل مركز ثقل تاريخي في النظام العربي.

لكن السؤال الأخطر ليس من سينضم، بل إلى أين يقود هذا المسار المنطقة؟

فالتحالفات التي تُبنى على الخوف غالبا ما تنتج استقطابا أكبر، لا استقرارا أكبر. وتحويل الشرق الأوسط إلى شبكة محاور أمنية مغلقة قد يدفع المنطقة نحو مرحلة من الانقسام الحاد بين معسكرات متواجهة، خصوصا إذا تحولت إسرائيل من شريك تقني وأمني إلى طرف يشارك فعليا في إدارة الأمن العربي.

حينها، يكون الحديث عن “تطبيع” فقط، أمرا فرعيا، فإن وضع دول عربية جزء من جيوشها في خدمة أمن واسقرار الامارات هو إعادة تعريف كاملة لمعنى الأمن القومي العربي، فالكيان العسكري الذي سيتشكل لمواجهة إيران سيكون الأقوى داخل الدول المشكلة له، والذي سيدار طبعا من تل أبيب ولخدمة مشروع اسرائيل الكبرى.

فهل نشهد اليوم تنفيذ اتفاق تشكيل الناتو العربي وهل سيكون لهذا الاخير أدوار أخرى غير مواجهة إيران، ومتى سيتدخل لنزع سلاح حماس في قطاع غزة؟

‫2 تعليقات

  1. “مشروع نُفِّذ بهدوء شديد منذ سنوات، قائم على توحيد الرؤية تجاه إيران” 👌

  2. ترغمنا الأحداث للعودة لكلمة الرئيس تبون حين زار مصر .. قال …نحن لسنا أغبياء و نعرف ما يجري في المنطقة ، و ما هي رغبات البعض 🙂 .
    قال نحن ، أي هو و الرئيس المصري ، و الأكيد السيسي ليس غبيا ليجازف ببلده لهذا الحد قصد تحقيق رغبات البعض ،
    أكيد مسعى تبون و السيسي هو انقاض الثور الأبيض المصري من الهلاك ، او على الأقل تأخير التهديد عنه ، رغم الأتفاقيا و المعاهدات التي سقط فيها السيسي من قبل مع البريكس و مع البعض .
    السؤال : من أجل تأخير التهديد عن مصر ، هل يمكن الإعتماد عن التحالف الجزائري الإيراني ؟
    أم هناك أمر بين الجناح العسكري الصيني و مصر و الجزائر للقضاء على الجناح الإقتصادي نهائيا ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى