رأي

الشعب … بين اليوم والأمس

ما نراه اليوم من هبّة شعبية، ومن صور التضامن والتكافل والتطوع التي تظهر كلما واجهت الجزائر محنة أو ظرفًا استثنائيًا، لا يبدو غريبًا عن هذا الشعب. بل يعيد، بصورة مختلفة وفي زمن مختلف، شيئًا من المشهد الذي صنعته الجزائر بالأمس عندما احتضن شعبها ثورة التحرير.

فالثورة الجزائرية لم تكن فقط ثورة رجال حملوا السلاح وصعدوا إلى الجبال، رغم أن تضحيات المجاهدين والشهداء كانت في قلب معركة التحرير. لقد كانت أيضًا ثورة شعب كامل شكّل حاضنتها وعمقها وقوتها البشرية والاجتماعية.

كان المجاهد يستطيع أن يتحرك لأنه وجد من يؤويه، ومن يطعمه، ومن ينقل الرسالة، ومن يخفيه، ومن يعالجه، ومن يراقب الطريق، ومن يتحمل الاستجواب والعقاب دون أن يكشف أسراره. وكانت المرأة الجزائرية تحضر الطعام وتداوي الجرحى وتنقل المؤونة والرسائل، وكان الفلاح يقتسم ما يملك، وكانت عائلات بأكملها تدفع ثمن ارتباطها بالثورة.

بهذا المعنى، لم يكن الشعب مجرد متفرج على ثورة أول نوفمبر، بل كان أحد أهم عناصر قوتها وأحد الأسباب الأساسية التي سمحت لها بالصمود والاستمرار.

وهنا تحديدًا تكتسب صور الهبّة الشعبية اليوم دلالة تتجاوز الحدث نفسه.

عندما ترى جزائريين يسارعون إلى مساعدة بعضهم بعضًا، يفتحون بيوتهم، يجمعون المساعدات، يحضرون الطعام، ينقلون المؤونة أو يتطوعون بما يستطيعون، فإنك تشاهد سلوكًا اجتماعيًا يشبه، في روحه وليس في ظروفه، ذلك الذي احتضن الثورة قبل أكثر من سبعين عامًا.

لقد تغير الزمن، وتغيرت طبيعة المعركة، وتغيرت احتياجات المجتمع، لكن شيئًا أساسيًا يبدو أنه بقي حاضرًا: قدرة الجزائريين على التحول، في لحظات الشدة، من أفراد متفرقين إلى كتلة اجتماعية متضامنة.

وهذه ربما إحدى أهم نقاط القوة التي امتلكتها الثورة الجزائرية.

فالاستعمار الفرنسي واجه تنظيمًا ثوريًا ومقاتلين مسلحين، لكنه واجه كذلك بيئة شعبية واسعة كان من الصعب فصل الثورة عنها. وكلما اتسعت الحاضنة الشعبية، أصبحت مهمة عزل المجاهدين أكثر تعقيدًا.

لذلك فإن فهم نجاح الثورة لا يكتمل بالنظر فقط إلى المعارك والقيادات والسلاح والدبلوماسية. هناك عنصر آخر لا يقل أهمية: الشعب الذي قرر، بدرجات وأشكال مختلفة، أن تكون الثورة ثورته.

وهبة الشعب اليوم تذكرنا بهذه الحقيقة.

إنها تقدم لنا، ولو في سياق مختلف تمامًا، صورة مصغرة عن الكيفية التي استطاع بها الجزائريون بالأمس احتضان ثورتهم: كل واحد يقدم ما يستطيع، وكل بيت يمكن أن يتحول إلى نقطة مساعدة، وكل مواطن يستطيع أن يصبح جزءًا من جهد جماعي أكبر منه.

ربما لهذا السبب استطاعت ثورة التحرير أن تصمد أمام واحدة من أكبر القوى الاستعمارية في ذلك الوقت.

كان هناك مجاهد يحمل السلاح، ولكن خلفه كان هناك شعب يحمله.

وإذا كان المجاهدون قد صنعوا بطولات الثورة، فإن الشعب الجزائري هو الذي منحها العمق الذي جعل استمرارها ممكنًا حتى الاستقلال.

لهذا، عندما يهب الجزائريون اليوم لمساعدة بعضهم بعضًا، فإن المشهد لا يقول شيئًا عن حاضر الجزائر فقط.

إنه يفتح نافذة صغيرة نرى من خلالها كيف استطاع هذا الشعب، بالأمس، أن يحتضن ثورة كاملة.

‫3 تعليقات

  1. فعلا الهبة كانت خرافية وفوق مستوى التوقعات ويا ريت نقدرو نستغلو هاذ النقاط تاع القوة ونستثمرو فيها

  2. الله يحفظ البلاد، ويفرجها على العباد، ويوفق ولاة أمورنا.. بالتوفيق والسداد لكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى