فرنس برس تتحدث عن تدخل الجيش الجزائري في النيجر

لم يعد الصراع على النفوذ في منطقة الساحل الإفريقي محصوراً في الدبلوماسية والاستثمارات والمبادرات الاقتصادية. فالجزائر، التي فضّلت لعقود إدارة أزمات جوارها الجنوبي عبر الوساطة والتعاون الأمني، تتجه إلى توظيف حضورها العسكري خارج حدودها. خطوة تفتح نقاشاً أوسع حول مستقبل التوازنات الإقليمية، وموقع المغرب والإمارات في معادلة تتداخل فيها المصالح الطاقوية مع الحسابات الجيوسياسية.
لم يكن قرار البرلمان الجزائري، يوم 25 أكتوبر 2026، بالموافقة على إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى النيجر مجرد إجراء دستوري مرتبط باتفاق تعاون عسكري بين بلدين جارين. فالقرار يحمل دلالات تتجاوز الحدود المشتركة، ويطرح سؤالاً أساسياً حول طبيعة الدور الذي تريد الجزائر الاضطلاع به في منطقة الساحل، بعدما أصبحت هذه المنطقة ساحة مفتوحة للتنافس بين قوى إقليمية ودولية متعددة.
لسنوات طويلة، راهنت الجزائر على ثقلها الدبلوماسي وخبرتها الأمنية وموقعها الجغرافي لإدارة علاقاتها مع دول الساحل. وكانت الوساطة في النزاعات، والدعوة إلى الحلول السياسية، والتنسيق الاستخباراتي، أدوات أساسية في سياستها الإقليمية. غير أن التحولات التي شهدتها المنطقة، من الانقلابات العسكرية إلى انتشار الجماعات المسلحة وتراجع النفوذ الفرنسي، فرضت واقعاً جديداً لم تعد فيه الأدوات التقليدية كافية وحدها لضمان المصالح الجزائرية.
ومن هنا، يمكن قراءة الخطوة العسكرية المرتقبة باعتبارها انتقالاً من سياسة التأثير في الأحداث إلى محاولة امتلاك قدرة أكبر على التدخل في مسارها.
المغرب والإمارات: منافسة تتجاوز الحدود
اللافت في التحليلات التي نقلتها وكالة فرانس برس عن الباحث عبد الله عكير هو إدراج المغرب والإمارات العربية المتحدة ضمن الحسابات الجيوسياسية المرتبطة بالتحرك الجزائري.
وهذا الربط يكشف جانباً من المنافسة الإقليمية التي لم تعد تقتصر على العلاقات الثنائية المتوترة، بل امتدت إلى مناطق النفوذ الاقتصادي والأمني في إفريقيا.
فالمغرب يعمل على تعزيز حضوره في الساحل عبر مبادرات اقتصادية ودبلوماسية، أبرزها مشروع تمكين دول المنطقة من الوصول إلى المحيط الأطلسي. وهي مبادرة تمنح الرباط فرصة لبناء علاقات استراتيجية مع دول حبيسة تبحث عن منافذ تجارية جديدة.
أما الإمارات، فقد وسعت خلال السنوات الماضية حضورها الاقتصادي والسياسي في القارة الإفريقية، مستفيدة من قدراتها الاستثمارية وشبكة علاقاتها مع حكومات ومؤسسات إقليمية متعددة.
في المقابل، تمتلك الجزائر أوراقاً مختلفة، تتمثل في الجوار الجغرافي، والقدرات العسكرية، والخبرة الأمنية، وشبكات الطاقة، والبنية التحتية التي تربط شمال إفريقيا بعمقها الصحراوي.
لكن امتلاك هذه الأوراق لا يعني بالضرورة تحويلها إلى نفوذ مستدام. فالنفوذ الحقيقي لا يُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو انتشار القوات، بل بقدرة الدولة على بناء مصالح متبادلة تجعل الشراكة معها خياراً استراتيجياً لدى الطرف الآخر.
ومن هذا المنظور، تبدو النيجر اختباراً مهماً لقدرة الجزائر على تحويل إمكاناتها العسكرية والاقتصادية إلى حضور إقليمي طويل الأمد.
النيجر ليست مجرد منطقة عازلة
تكتسب النيجر أهمية خاصة في الحسابات الجزائرية، ليس فقط بسبب حدودها المشتركة، وإنما لأنها تمثل ممراً استراتيجياً نحو إفريقيا جنوب الصحراء.
فمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يفترض أن يربط نيجيريا بالجزائر مروراً بالنيجر، يحمل أبعاداً تتجاوز تصدير المحروقات. إنه مشروع يمكن أن يعزز مكانة الجزائر بوصفها ممراً رئيسياً للطاقة الإفريقية نحو أوروبا.
وتضاف إلى ذلك استثمارات سوناطراك في شمال النيجر، ومشاريع الكهرباء والربط الاقتصادي، وهي مصالح تجعل استقرار هذا البلد جزءاً من الحسابات الاقتصادية الجزائرية.
غير أن حماية هذه المصالح بواسطة الحضور العسكري تفتح إشكالية جديدة: أين تنتهي مهمة تأمين الاستثمارات، وأين تبدأ مسؤولية التعامل مع الأزمات الداخلية والإقليمية المحيطة بها؟
فالنيجر تواجه تحديات متشابكة، من نشاط الجماعات الجهادية في الغرب إلى هشاشة السيطرة الأمنية على بعض المناطق الصحراوية، فضلاً عن ارتباطها بتحالفات عسكرية وسياسية مع مالي وبوركينا فاسو.
وأي حضور عسكري جزائري داخل هذا المشهد سيحتاج إلى تحديد واضح للمهام وحدود التدخل، حتى لا تتحول حماية المصالح الاقتصادية إلى التزام أمني مفتوح يصعب التحكم في امتداداته.
هل تتغير العقيدة الجزائرية؟
يرى المحلل جيف بورتر، في تصريحاته لوكالة فرانس برس، أن الجزائر بدأت تكييف وسائلها مع بيئة دولية أصبحت أكثر ارتباطاً بالمصالح المباشرة وموازين القوة.
وهذا التحليل يستحق التوقف عنده.
فالجزائر لم تكن غائبة عسكرياً عن محيطها الإقليمي، لكنها فضّلت تاريخياً إبقاء حضورها المباشر داخل حدودها، مع الاعتماد على التعاون الثنائي والوساطات السياسية في التعامل مع الأزمات الخارجية.
وإذا تحول الانتشار المرتقب في النيجر إلى حضور ميداني مستمر، فإن ذلك سيعكس تطوراً مهماً في ممارسة السياسة الأمنية الجزائرية.
لكن التغيير في الوسائل لا يقتضي بالضرورة تغيير المبادئ. فقد تسعى الجزائر إلى الحفاظ على خطابها التقليدي القائم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مع تطوير آليات جديدة لحماية مصالحها بالتنسيق مع الحكومات المعنية.
والتحدي هنا ليس دستورياً أو عسكرياً فقط، بل سياسي أيضاً. فنجاح أي انتشار خارجي يرتبط بوضوح أهدافه، وموافقة الدولة المضيفة، وقدرة الطرفين على تجنب الانخراط في صراعات تتجاوز المهمة الأصلية.
الساحل لا يحتاج إلى سباق عسكري جديد
من الخطأ اختزال مستقبل الساحل في مواجهة نفوذ بين الجزائر والمغرب والإمارات. فالمنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية تتنافس عليها القوى الإقليمية، وإنما تضم دولاً تمتلك مصالحها وحساباتها السياسية والأمنية الخاصة.
والنيجر، شأنها شأن مالي وبوركينا فاسو، تسعى إلى توسيع هامش استقلال قرارها وتنويع شراكاتها الخارجية، حتى وإن كانت هذه الخيارات تثير خلافات مع بعض شركائها التقليديين.
ومن ثم، فإن الحضور الجزائري لن يُقاس فقط بقدرته على تأمين منشأة نفطية أو مراقبة محور صحراوي، بل بمدى مساهمته في استقرار المنطقة وتعزيز قدرات المؤسسات النيجرية.
كما أن المنافسة الاقتصادية مع المغرب والإمارات لا تستدعي بالضرورة مواجهة أمنية. فمشاريع الربط الأطلسي، وأنابيب الغاز، والموانئ، والطرق العابرة للصحراء، يمكن أن تكون أدوات تنافس اقتصادي، لكنها قد تتحول أيضاً إلى فرص تكامل إذا توفرت الإرادة السياسية.
والمشكلة الحقيقية في الساحل ليست تعدد الشركاء، بل احتمال تحول التنافس بينهم إلى عامل إضافي في تعقيد الأزمات القائمة.
الجزائر أمام امتحان النفوذ
تملك الجزائر مقومات تؤهلها للعب دور مؤثر في الساحل، من موقعها الجغرافي إلى إمكاناتها الطاقوية والعسكرية وعلاقاتها التاريخية مع دول المنطقة.
لكن المرحلة المقبلة ستختبر قدرتها على الجمع بين القوة العسكرية والمبادرة الاقتصادية والمرونة الدبلوماسية.
فإرسال وحدات عسكرية إلى النيجر قد يوفر حماية إضافية لمصالح محددة، لكنه لن يكون بديلاً عن سياسة إفريقية متكاملة تقوم على الاستثمار والتجارة والبنية التحتية والتعاون الأمني طويل المدى.
كما أن بناء نفوذ مستدام يقتضي التعامل مع دول الساحل باعتبارها شركاء في تحديد الأولويات، وليس مجرد امتداد جغرافي للأمن القومي الجزائري.
إن المنافسة مع المغرب والإمارات، كما وردت في قراءة الباحثين الذين استطلعت فرانس برس آراءهم، تشكل أحد أبعاد هذا التحول، لكنها ليست وحدها المحرك الذي يمكن تفسير القرار الجزائري من خلاله.
فالجزائر تواجه تحدياً أكبر من منافسة دولتين على النفوذ. إنها مطالبة بتحديد موقعها في نظام إقليمي يتغير بسرعة، وبناء استراتيجية تضمن حماية مصالحها دون استنزاف قدراتها أو توسيع دائرة التزاماتها الأمنية.
لقد فتح قرار 25 أكتوبر باباً جديداً أمام السياسة الجزائرية في الساحل. غير أن أهمية هذا القرار لن تتحدد بعدد الجنود الذين قد ينتشرون في النيجر، وإنما بطبيعة الدور الذي سيؤدونه، وبالنتائج السياسية والاقتصادية والأمنية التي ستترتب على وجودهم.
وفي النهاية، قد تستطيع القوة العسكرية حماية طريق أو منشأة أو حدود، لكن النفوذ الإقليمي الدائم تصنعه القدرة على بناء الثقة والمصالح المشتركة.
وهنا يكمن الامتحان الحقيقي للجزائر: هل يتحول حضورها العسكري في النيجر إلى رافعة لاستراتيجية إفريقية متكاملة، أم يصبح مجرد ورقة إضافية في منافسة إقليمية طويلة لا يملك أي طرف ضمان نتائجها؟








